Okaz

39 الأربعاء م، 2026 سبتمبر 23 هـ 1448 ربيع الثاني 12 21596 السنة التاسعة والستون العدد أصالة الفكر ووهج المعرفة.. محطاتثقافية فيتاريخطيبة @alwasmi_mh ) محمد الوسمي(المدينة المنورة محمد الدبيسي. تختزل المدينة المنورة عبر تاريخها العريقتجربة ثرية تجمع بينقدسية المكان وعمق العطاء الفكري. ظلتعبر العقود والعهود منارة علمية وأدبية تشع بالمعرفة، وتستمد ريادتها من المسجد النبويالشريف، لتنسج عبر بيوتاتها، ومكتباتها، ومؤسساتها، وجماعاتها الأدبية والفنية، مشهدا ثقافياً متجدداً، يحفظ التراثويواكب العصر. يبحر الدكتور محمد إبراهيم الدبيسي بقلمه واصـفاً المشهد الـثـقـافـي المــديــنــي، بــأنــه يُــعــدُ لـبـنـةًً راســـخـــةًً فــي صـــرح المشهد الأدبي والثقافي الوطني، وامتداداً حياً لميراث المدين العلمي والأدبــــــي، الــــذي نـشـأ فــي المـسـجـد الـنـبـوي الــشــريــف؛ الجامع العلمي والروحي العريق ، التي أضاءت آفاق المعرف ، ورفدت الحياة العلمي والثقافي في كلِِّ أرجاء العالم بعطاء موصولٍ وأثرٍ باقٍ. وعُُــنــيــت الــبــيــوت والأُســــــر الـعـلـمـيـ فـــي المــديــنــ المـــنـــورة بـهـذا الميراث، فحم ك جيٍ أمانته، وأدَى نصيبه في خدم المعرف وإثـرائـهـا، وظـلَـت المدين لى تعاقب الـعـصـور، مـركـزاً للعلم والـفـكـر والأدب. ثــم اتـسـعـت دوائــــر المـعـرفـ فـيـهـا إبــــان العهد السعودي، وتعدَدت مؤسساتها العلمي والثقافي ، وتنو َت أو يتها بين المجالس العلمي والأدبي ، والصالونات الثقافي ، والجما ات الأدبي ، والمكتبات، والمؤسسات التعليمي ، ومراكز البحث العلمي. ـهـود مـبـكـرة؛ مجالس لمي ـرفـت منذ وكـانـت المـديـنـ قـد وأدبـــيـــ ، احـتـضـنـتـهـا بـعـض الــبــيــوتــات المــدنــيــ ، وقــــام ليها الـعـلـمـاء والأدبـــــــاء، وبــعــض الـــوجـــهـــاء، فـكـانـت مـحـافـ للعلم ا ب المعرف . وتداو والمذاكرة، وملتقياتٍ للعلماء والأدباء وطلَّا ـلـوم الـحـديـث والـفـقـه، والـلـغـ والــتــاريــخ، وتــذاكــروا رُوَادهـــــا الشعر والأخبار والأمثا والسِير، فحفظت تلك المجالسجانباً مهماً من الذاكرة العلمي والأدبي للمدين ، وربـــــطـــــت بين مــــجــــالــــس الــــعــــلــــمــــاء وبــــيــــوت أهـــ الأدب، وبين حـلـقـات الـــــدرس والـحـيـاة الاجتما ي . واستمرت هذه المجالس في العهد السعودي، واتـــــخـــــذ بـــعـــضـــهـــا صــــــــورة أكــــثــــر انــــتــــظــــاماً، مـــع احـتـفـاظـهـا بصلتها الـوثـيـقـ بـالـحـيـاة العلمي والاجتما ي ، وظلَت محاف للقراء ة والمــذاكــرة، ومـجـالاً للتداو الأدبـــي، ومــورداً ا ب المعرف يتص فيه الأدباء والعلماء، وطلَّا بعضهم ببعض. لبنة راسخة في المشهد ازدهار المكتبات مجالسالحوار والمعرفة اتسع حضور المكتب في الحياة الـــعـــامـــ فــــي الـــعـــهـــد الـــســـعـــودي، فـــظـــهـــرت المـــكـــتـــبـــات الــحــكــومــيــ والـــعـــامـــ ، إلــــى جـــانـــب المـكـتـبـات الـــخـــاصـــ ، وازدهــــــــرت المـكـتـبـات الـتـجـاريـ فــي المـنـطـقـ المحيط بالمسجد الـنـبـوي الـشـريـف منذ ـشـر مـــنـــتـــصـــف الـــــقـــــرن الـــــرابـــــع الهجري، ونهضت بدور معرفي تـــجـــاوز بــيــع الـــكـــتـــاب وتــــداولــــه، ف ـــــــــــــــــــرت لـــــلـــــعـــــلـــــمـــــاء وط ب � وو الـعـلـم والــــقــــرَاء مـــصـــادر المـعـرفـ الحديث ، واستقبلت الإصدارات الـــــقـــــادمـــــ مـــــن مـــخـــتـــلـــف أقــــطــــار العالم الـعـربـي، وربـطـت الـقـارئ المـدنـي بحرك النشر والتأليف والترجم . وتـأتـي «مكتب الملك بدالعزيز الـــعـــامـــ » بــالمــديــنــ المــــنــــورة، في مقدم المكتبات الحكومي ذات الحضور التاريخي، بما تحمله من رصيد مكتبي وثقافي، وثيق الـــصـــلـــ بــــتــــاريــــخ المــــديــــنــــ ، ومـــا حوته من مكتبات لماء المدين المـــنـــورة الـوقـفـيـ ، وإلـــى جانبها احتلت «مكتب المسجد النبوي الشريف» مكان بارزة في المشهد الـــعـــلـــمـــي، إلـــــى جــــانــــب مــكــتــبــات ـيـان والأدبــــاء. وقد العلماء والأ كوَنت هذه المكتبات بمجمو ها نـــســـيـــجاً مـــعـــرفـــياً فـــــريـــــداً، جـعـ الـــكـــتـــاب حــــاضــــراً فــــي تـفـاصـيـ الـــحـــيـــاة الـــثـــقـــافـــيـــ ، وأســــهــــم فـي ــــــم الـــحـــركـــ الأدبـــيـــ نــــشــــره، ود ــرفــت المـديـنـ والـعـلـمـيـ ، حـتـى بـ «مدين المكتبات». طـبـقاً للدبيسي، شـهـدت المدين ازدهــــــــار الـــصـــالـــونـــات الـعـلـمـيـ والأدبـــــيـــــ ، الـــتـــي أقـــامـــهـــا بعض العلماء والأدبـــاء والأكاديميون فــــي مـــنـــازلـــهـــم، وجـــعـــلـــوا مـنـهـا مجالس للحوار وتباد المعرف ، وقراء ة الكتب ومناقش القضايا الأدبـيـ والتاريخي . واستمدت هـــــذه الـــصـــالـــونـــات قـيـمـتـهـا مـن طبيعتها الاجتما ي والعلمي ، فكانت امـتـداداً لمجالس العلماء المـــــــدنـــــــيين الـــــقـــــديـــــمـــــ ، وصــــــــورة مـتـجـددة مــن صـــور الـتـآلـف بين العلم والأدب والمجتمع. وإلى جانب ذلك، قامت المكتبات بــــــدور رئـــيـــس وبــــالــــغ الأثــــــر فـي ازدهار الحياة الثقافي ، وارتبط تــــــاريــــــخ المـــــعـــــرفـــــ فــــــي المــــديــــنــــ بالكتاب ارتباطاً وثيقاً. و رفت المــــديــــنــــ ، مـــنـــذ مـــــا قـــبـــ الــعــهــد الـــــســـــعـــــودي، مـــكـــتـــبـــات خـــاصـــ لـلـعـلـمـاء وأهــــ المـــعـــرفـــ ، ضـمَـت ــــات وأصــــــو نـــفـــائـــس المــــطــــبــــو ــــلــــوم شــتــى. المـــخـــطـــوطـــات فــــي وكــانــت مكتب الــعَــالِــم فــي بيته امتداداً لمجلسه العلمي، ومورداً لط به، وذاكرةً تحفظ ما اقتناه من كتب ومصنفات. أسرة الوادي المبارك هــــــ تــأسَــســت «أســـرة 1371 ـــام يـمـضـي الــدبــيــســي: فـــي ـ أدبــيــ منظم في الـــــوادي المـــبـــارك»، بـوصـفـهـا أوَ جـمـا المدين المنورة في العصر الحديث، والتقت فيها طائف من الأدباء والمـهـتـمين بالشعر والأدب، وأقــامــت لـقـاء اتـهـا حـــو الـنـص الأدبــــي في أجناسه المختلف ، مع حضور أكبر للشعر، إلى جانب قضايا الأدب والثقاف . وانتقلت الممارس الأدبي بذلك من نطاق الاهتمام الفردي واللقاء ات المنزلي ؛ إلى إطار جما ي يحم اسماً وكياناً وغاي ثقافي محددة. ا م الأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي - رحمه الله - جانباً وافراً من تاريخ وقد سجَ العلَّا هـذه الأســرة وأخبارها في كتابه القيِم: «أســرة الـــوادي المـبـارك في المـيـزان»، فحفظ صفح مهم من صفحات الحرك الأدبـيـ فـي المدين المـنـورة. وقـد حظيت الأســـرة بمبارك الـدولـ فـي ذلـك العهد، لتصبح تجربتها معلماً بارزاً في مسيرة الأدب الوطني، ومقدمةًً لمرحل اتجه فيها النشاط الأدبي نحو مزيد من التنظيم والاتساع. هـ، فشهد تأسيس «نادي المدين المنورة الأدبي»، ودخ 1395 ومن هذه التجرب تبلورت فكرة المؤسس الأدبي ، حتى جاء ام النشاط الأدبـي طـوراً مؤسَسياً أرحـب. وفتح النادي أبوابه للشعراء والأدبــاء والباحثين، وأقـام الأمسيات والمحاضرات والندوات، واحتفى بالإبداع الأدبـي والـدراسـات حو أجناسه، إلى جانب نايته بعلوم الشريع والتاريخ وما إليها، وأسهم في تنشيط الحرك الأدبي في المدين ، وربط نتاجها بالمشهد الأدبي في المملك ، وأوجد منبراً للحوار والنقد والتواص بين أه الأدب والفكر. اتساعمجالات البحث يواص الدبيسي: مع اتساع التعليم إبان العهد السعودي، ونشوء الـجـامـعـات والـكـلـيـات والمـعـاهـد، أضـيـف إلــى المشهد الثقافي بُعد لمي وبحثي راســـخ. وخــرَجــت المـؤسـسـات التعليمي أجــيــالاً من ــيــ ، ثم ـيـ والــعــربــيــ والاجــتــمــا المـتـخـصـصين فـــي الــعــلــوم الـشـر اتسعت مجالات البحث لتشم تاريخ المدين وتراثها و مرانها ومجتمعها وآثارها، من طريق مراكز البحوث والدراسات المعني ـداد الدراسات العلمي . بجمع المصادر، وتحقيق المخطوطات، وإ وفي هذا السياق، تأسَس مركز بحوث ودراسات المدين المنورة ام هــــ، كمؤسس متخصص في خدم تاريخ المدين وتراثها، 1418 والعناي بمصادرها ومعالمها وأ مها ووثائقها. وقدم للباحثين مادة لمي واسع حو المدين ، وربط المعرف التاريخي بالمناهج الـبـحـثـيـ الــحــديــثــ ، وأســـهـــم فـــي صـيـانـ جــانــب مـهـم مـــن ذاكـرتـهـا العلمي والعمراني . واكـتـمـ للمشهد الـثـقـافـي بُـعـد بـصـري وفـنـي مــع ظـهـور «جما هــ، وهي أوَ جما 1401 فناني المدين المنورة التشكيليين» ام في ب دنا في هذا اللون من الفنون، اجتمع أ ضاؤها حو التجرب التشكيلي ومدارسها واتجاهاتها، وأقاموا نشاطاً فنياً امتد إلى ـربـيـ أخــــرى. واسـتـمـد الفنانون ــواصــم ومـــدن مــدن سـعـوديـ ، و ـمـارتـهـا ـاتـهـم مـــن بـيـئـ المــديــنــ ومـعـالمـهـا و جـــانـــباً مـــن مـوضـو وموروثها، فجاءت أ مالهم شاهدة لىصل الفن بالمكان، ومعبِرة ن حضور المدين في الذاكرة البصري لأبنائها. وإلى ذلك كله، تشكَ المشهد الثقافي في المدين المنورة إبان سبع قود من روافد متصل ، كان المسجد النبوي الشريف معينها الأو َـت نها المـجـالـس العلمي والأدبــيــ ، ومــوردهــا الأصــيــ ، ثـم تـفـر والصالونات الثقافي ، وأسرة الوادي المبارك، ونادي المدين المنورة الأدبـــــي، والمــكــتــبــات الــخــاصــ والــوقــفــيــ والـحـكـومـيـ والــتــجــاريــ ، والجامعات ومراكزها البحثي ، وجما فناني المدين التشكيليين، ومركز بحوث ودراسات المدين المنورة. وحـفـظـت هـــذه الـــروافـــد صـلـ المـديـنـ بـمـيـراثـهـا الـعـلـمـي والأدبــــي، ووسَــــعــــت مـــجـــالات المـــعـــرفـــ فــيــهــا، وأقــــامــــت بين تـــراثـــهـــا الــعــريــق ومــؤســســات الـعـصـر جـسـراً مـتـيـناً. وتــــآزرت المــؤســســات والمـجـالـس والمكتبات والجما ات، في صياغ حياة ثقافي متجددة، تستمد جـــذورهـــا مـــن تـــاريـــخ المــديــنــ ، وتـــواكـــب تـــحـــولات الــعــصــر، وتمنح الثقاف مكانها الأصي في تاريخ المدين الحديث . فكانت المدين المنورة، إبان هذه العقود، فضاءً تتعانق فيه حلقات الـعـلـم ومــجــالــس الأدب، وتـلـتـقـي فـيـه خـــزائـــن الـكـتـب ومـؤسـسـات الـبـحـث، وتـتـنـاغـم فـيـه أصــــوات الـشـعـر والـفـكـر والـــفـــن، فــي امــتــداد طبيعي لميراث المسجد النبوي الشريف، وفي صورة حضاري تؤكد استمرار العطاء العلمي والثقافي للمدين بر الأجيا .

RkJQdWJsaXNoZXIy MTExODU1NA==