Okaz

60 الأربعاء م، 2026 سبتمبر 23 هـ 1448 ربيع الثاني 12 21596 السنة التاسعة والستون العدد رحلة الملايينفيقلب الطمأنينة هندسة الحشود لعل الهاجس الأكبر في أي تجمّّع بشري هو «الزحام»، فـكـيـف إذا كــــان هــــذا الــتــجــمّّــع يــضــم أكـــثـــر مـــن مـلـيـونـي شخصيتحركون في مسارات محدّّدة وفي أوقات زمنية صارمة؟ لـقـ أدركــــت الـسـعـوديـة مـبـكـراً أن إدارة الـحـشـود ليست مــجــرد تـوجـيـه لــلــنــاس، بــل هــي «عــلــم» قــائــم بـحـ ذاتــه ي رس السلوك البشري، وال يناميكا المكانية، والت فقات الحركية. تتجلّى عبقرية التنظيم في نظام «التفويج»؛ وهو نظام دقيق وج ول زمني صارم يحدّّد متى وكيف يتحرّك الحجاج من مخي اتهم إلـى جسر الج رات أو المـسـجـ الـــحـــرام. يـتـم ربـــط هـــذا الـنـظـام بـغـرف ع ليات مركزية تـراقـب الكثافة الـعـ ديـة فـي كـل متر مربع عبر آلاف الكاميرات الحرارية والذكية. وقـ شه ت منشأة الج رات قصة تحوّل تاريخية في ــرات ســـابـــقاً ي ثل الــعــقــود الماضـــيـــة، إذ كـــان رمـــي الــجــ الـتـحـدّّي الأصــعــب، لـكـن الابـتـكـار الـسـعـودي تـجـلّـى في بناء «منشأة الج رات» الح يثة متع دة الطوابق. هذا المشروع الهن سي الع لاق، الذي ص ُم لاستيعاب أكثر ألف حاج في الساعة الواح ة، نجح في تفتيت 300 من الكتل البشرية وتوزيعها على مستويات مختلفة، مع One-( تـوفـيـر مــســارات دخـــول وخــــروج لا تتقاطع أبـــ اً ). هذا التص يم العبقري قضى ت اماً على way system حوادث الت افع، وحوّل منطقة كانت تُوصف بالحرجة إلى واح ة من أكثر مناطق الحج انسيابية وأماناً. الأمن الاستباقي.. عقول تخطط الأمــــن فـــي الــحــج لا يـقـتـصـر عـلـى الــتــواجــ الأمـــنـــي، بل ـ عــلــى مــفــهــوم «الأمــــــن الاســـتـــبـــاقـــي». فــقــبــل بــ ء يـعـتـ موسم الحج بأشهر، تنفّذ القطاعات الأمنية السعودية فـــرضـــيـــات وتــــ ريــــبــــات تــحــاكــي كـــافـــة الــســيــنــاريــوهــات المحت لة، ب ءاً من الت افع، مروراً بالحرائق، وصولاً إلى الحالات الصحية الطارئة. وعن نـزولـك إلـى المـيـ ان سـتلاحـظ التناغم المـذهـل بين مختلف الـقـطـاعـات: الأمـــن الــعــام، الــ فــاع المــ نــي، قــوات الطوارئ الخاصة، وأمن الحج والع رة. ك ا تتوزّع هذه القوات في أطواق أمنية محك ة، تب أ من منافذ الم لكة وتصل إلى قلب الحرم المكي. لكن المشه الأبــرز الـذي توثقه ع سات الإعلام العالمية كل عام، هو «أنسنة الع ل الأمني». فالجن ي السعودي الذي يح ل سلاحه لحفظ النظام، هو ذاته الذي يظهر فـي آلاف الـصـور والمـقـاطـع وهــو يــرش الماء الـبـارد على رؤوس الحجاج، أو يح ل طاعناً في السن أعياه التعب، أو يظلل بسترته على طفل صغير ح اية له من ش س الظهيرة. هــذه الـــروح الإنسانية هـي الـتـي تضفي على المشه الأمني طابعاً من السكينة والط أنينة. مدينة طبيّة عالمية تتحرّّك في المشاع مع تواف ملايين الحجاج، بينهم كبار السن وأصحاب الأمـراض المزمنة، ومع تقلبات الطقس وارتفاع درجات الـــحـــرارة فــي بـعـض المـــواســـم، يصبح الـتـحـدّّي الصحي هـــائلاً. استجابة لـذلـك، تـقـوم وزارة الصحة السعودية بتحويل المشاعر المق سة (منى، مزدلفة، عرفات) إلى ما يشبه «الم ينة الطبية المتكاملة». ـن، فج يع جـهـود الم لكة فــي هـــذا الـقـطـاع لا تُــقــدّّر بـثـ الخ مات الطبية تُقدّّم مجاناً بالكامل لج يع الحجاج ـلـيـات الـقـلـب ـل هــــذه الـــخـــ مـــات عـ دون اســتــثــنــاء. تـشـ المـفـتـوح، والقسطرة القلبية، والغسيل الـكـلـوي، وحتى ع ليات الولادة. ولـــلـــتـــعـــامـــل مـــــع المـــــشـــــكلات المـــتـــوقـــعـــة مـــثـــل «الإجـــــهـــــاد ـس»، ابتكرت الم لكة آليات الــحــراري» و«ضــربــات الـشـ استجابة سريعة ش لت نشر مراكز متخصصة مجهزة بتقنيات التبري السريع، إضافة إلى جيش من المسعفين المـيـ انـيين وعـربـات الإسـعـاف الصغيرة الـتـي تستطيع اختراق الحشود الكثيفة. ك ا تلعب فرق الهلال الأح ر السعودي دوراً حاس اً عبر الإسعاف الجوي الذي ينقل الـــحـــالات الـحـرجـة مــن وســـط المـشـاعـر إلـــى المستشفيات التخصصية في غضون دقائق مع ودة. بنية تحتية تتحدّى الزمان والمكان كيف توفر الماء والغذاء والكهرباء والتكييف والصرف الصحي لملايين البشر في مساحة صحراوية مح ودة وخلال خ سة أيام فقط؟ ــارات مـلـيـاريـة مـسـتـ امـة في ـن فــي اســتــثــ الإجـــابـــة تـكـ البنية التحتية. ــثّــل قـــطـــار المــشــاعــر المــقــ ســة أحــــ أبـــــرز الـحـلـول ــا يُــ كــ ـلـكـة لـــتلافـــي مـشـكلات الـلـوجـسـتـيـة الــتــي ابـتـكـرتـهـا المـ الــزحــام المــــروري والـتـلـوث الـبـيـئـي. ينقل الـقـطـار مئات الآلاف من الحجاج بين منى ومزدلفة وعرفات في وقت قياسي، م ا قلّص الاعت اد على آلاف الحافلات، وخفّف الضغط على شبكة الـطـرق. إضـافـة إلـى قطار الحرمين ثّل شرياناً حيوياً يربط بين مكة المكرمة ّمُ السريع الذي ي والمـ يـنـة المــنــورة مــــروراً بــجــ ة، مــســهلاً حـركـة الحجاج ومــخــتــصــراً ســـاعـــات الــســفــر الــطــويــلــة فـــي بـيـئـة فــاخــرة وآمنة. ك ا سبقت الم لكة العالم بتبري الطرق والمناخ، وذلك في ابتكار غير مسبوق، إذ قامت الجهات المعنية بطلاء المشاة المحيطة ب سج ن رة وجبل الرح ة ب واد خاصة تع ل على خفض درجات حرارة الأسفلت بنحو درجة مئوية، م ا يخفف من وطأة الحرارة 20 إلى 15 ثّل تح ياً ّمُ على أق ام الحجاج. ك ا أن إدارة النفايات ت كبيراً للجهات الخ مية المسؤولة، إذ تُولِ هذه الحشود المليونية آلاف الأطـنـان مـن النفايات يـومـياً، ومــن أجل ذلك استخ مت الم لكة تقنيات الضغط الآلـي والأنفاق الأرضـيـة للتخلّص مـن النفايات فـي منى بشكل فـوري ومست ر؛ لض ان بقاء البيئة نظيفة وخالية من الأوبئة. الحج ال قمي.. الذكاء الاصطناعي لم تتوقّف الم لكة عن الحلول التقلي ية، بل قفزت نحو المستقبل من خلال دمـج التقنية في كل تفاصيل رحلة الـحـاج. يعتبر «الـحـج الـذكـي» الـيـوم أحــ أهــم منجزات في قطاع الحج والع رة. وتعتبر 2030 رؤية السعودية بطاقة الحاج الذكية (نسك) سـجلاً رق ياً شـاملاً يح ل بيانات الحاج الشخصية، سجله الطبي، موقع مخي ه، وتفاصيل رحلته، إذ ي كن من خلالها للجهات الأمنية والطبية التعامل مع أي حاج تائه أو مريض في ثوان مع ودة. ومــن أجــل التنبؤ بــالأزمــات قـامـت الـسـعـوديـة بتسخير الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، إذ تــقــوم الــخــوارزمــيــات المتق مة بـتـحـلـيـل الـــبـــيـــانـــات الــــــــواردة مـــن الـــكـــامـــيـــرات وأجـــهـــزة الاستشعار المنتشرة في الحرم والمشاعر. وهذه الأنظ ة قـــادرة على التنبؤ باختناقات الحشود قبل ح وثها، م ا ي نح متخذي الـقـرار الـقـ رة على توجيه مسارات الحجاج وإغلاق طرق وفتح أخرى استباقياً. ك ا تقوم الجهات المسؤولة باستخ ام ال رونز في مراقبة حركة الحشود من الجو، وكذلك في المه ات الطبية الحرجة مــثــل نــقــل وحـــــ ات الـــــ م بين المـسـتـشـفـيـات فـــي المـشـاعـر ـا يـتـم اسـتـخـ ام المـقـ سـة لـتـجـاوز أي زحــــام أرضــــي، كـ الروبوتات من أجـل توزيع مياه زمــزم، وأخــرى للإفتاء والإجــابــة عـن أسئلة الـحـجـاج بلغات مـتـعـ دة، وأخــرى مثلها لتعقيم المسج الحرام بشكل آلي ومست ر. ق اءة متعمّقة في العبق ية السعودية لإدارة أكب تجمّع بش يفي العالم.. @alroogy ) عبدالله الروقي(مكة فيكلِِّ عام، تتجه أنظار العالم بأسره نحو بقعة جغرافية محدودة فيمساحتها، لكنها لامتناهية فيقدسيتها وأهميتها؛ مكة المكرمة والمشاعر المقدسة. هناك، يتجسّد التحدّياللوجستيوالأمنيوالإداريالأكبر علىوجه الأرض، استضافة ملايين البشر، القادمينمنشتىبقاع المعمورة، بخلفياتثقافية متنوعة ولغاتمتعددة وحالات صحية متباينة، ليتجمّعوا فيزمان واحد ومكان واحد لأداء فريضة الحج. إنما يحدثفيالمملكة العربية السعودية خلالموسم الحج ليسمجرد تنظيم لفعالية كبرى، ب هو «معجزة إدارية» تتجدّدسنوياً، وتخضع لعملياتتطوير مستمرة لا تعرف التوقف. وسنستعرضهنا تفاصي الجهود الجبارة التيتبذلها المملكة، ونقفعلى أسرار الإبداع السعوديفيإدارة الحشود وتلافيالأزماتوحفظ الأمن وتسخير أحدث التقنيات لخدمةضيوفالرحمنفيمشهد يمزج بين دقة التخطيطوعاطفة الرحمة. السعودية ابتك ت آليات استجابة س يعة شملت تقنيات التب يد الس يع شهدت منشأة الجم ات قصة تحول تاريخية في العقود الماضية تلافيالأزمات وإدارة المخاطر إن النجاح الحالي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة ل راسة مستفيضة للتجارب السابقة وال روس المستفادة. مركز بّر ّد ثّل العقل الم ّمُ إدارة الأزمات والكوارث في مكة المكرمة ي جهة حكومية. 40 الذي يربط أكثر من تلافي المشكلات يب أ من الخارج، من خلال مبادرة «طريق مكة»، التي تنهي إجراء ات الجوازات والج ارك والاشتراطات الصحية للحجاج في بل انهم الأم. ب جرد وصول الحاج إلى مطارات الم لكة، يتوجّه مباشرة إلى حافلته التي تنقله إلى مقر سكنه، بين ا تتكفّل الجهات المعنية بنقل أمتعته. هذا الابتكار قضى ت اماً على تكدّّس الحجاج في صالات الق وم ب طارات الم لكة، ووفّر عليهم ساعات من الانتظار المرهق. ك ا تم تش ي الرقابة على تصاريح الحج، وتغليظ العقوبات على الحج العشوائي (غير النظامي)، الذي كان يُشكّل عبئاً على الموارد والخ مات، ويسبب خللاً في الخطط المسبقة لإدارة الحشود. الحزم في هذا الجانب كان له الأثر الأكبر في تق يم تجربة مثالية ومريحة للحجاج النظاميين. عهدٌ يتجدّد.. ورسالةسلام للعالم في نهاية المطاف، عن ما تُطوى خيام منى، ويطوف الحجاج طواف الوداع ودموع الفرح والسكينة ت لأ أعينهم، ي رك المتابع المنصف أن ما ق مته الم لكة العربية السعودية ليس مجرد خ مة، بل «شرف» تتوارثه القيادة والشعب. ومه ا حاولنا أن نج ع تفاصيل الجهود المبذولة، فإن هناك عشرات الآلاف من المتطوعين، والكشافة، والعمّّال الذين يع لون بص ت في الكواليس؛ لض ان راحة ضيوف الرح ن. وق أثبتت الم لكة، من خلال تلك الجهود والأع ال والاستع ادات الضخ ة للعالم أج ع، أن الج ع بين الأصالة الروحانية لمناسك الحج، وبين الح اثة التقنية والاحترافية الإدارية، ليس أمراً م كناً فحسب، بل هو واقع مل وس يتطور عاماً بع عام. » الرامية إلى 2030 ومع مسته فات «رؤية السعودية استضافة أع اد أكبر من المعت رين والحجاج، فإن قطار التن ية والتطوير في المشاعر المق سة لا يتوقّف، ليظل الحج في كل عام قصة نجاح سعودية مبهرة، ورسالة أمن وسلام تُبث من قلب مكة إلى أرجاء العالم كافة.

RkJQdWJsaXNoZXIy MTExODU1NA==