Okaz

إذا حضر الماء @aljumaiahe ‏ د. أحمد الجميعة كاتبسعودي مركز الملكسلمان للإغاثة يوزّّع مساعدات إيوائية على الأسر النا حة جرّاء الأحداث الأخيرة في مديرية البريقة بمحافظة عدن. (واس) قـبـل أن أعـمـل فــي مـطـار المـلـك خـالـد الـــدولـــي، كـــان الـطـريـق إلـيـه جــزءاً من متعة السفر، كانت صالاته وأجــواؤه تحمل ذاك الشعور الجميل الــذي يسبق الـــرحلات، حين تبدأ الأحلام قبل الإقلاع وتصبح قلوب المسافرين مليئة بالشوق والانتظار، ثم شاء الله أن يصبح هذا المطار مكان عملي لأكثر من ثلاثين عاماً وما زال، فتغيّرت علاقتي به تماماً. لم يعد طريق المطار بداية رحلة إلى مكان بعيد إنما أصبح طريقي المعتاد إلى العمل، ولم تعد مواقفه مكاناً أترك فــيــه ســيــارتــي قــبــل الــســفــر، بـــل صــــارت مــثــل مـوقـف منزلي. أصـــبـــحـــت صــــــــالات المـــــطـــــار ومــــــدارجــــــه وبـــرجـــه وأضــواء الطائرات في ساحاته جـزءاً من يومي وذاكرتي وحياتي. ثلاثـون عـاماً شهدت فيها صباحاته ومساء اته وازدحــامــه وهـــدوء ه، وتعلمت أن المـطـار كائن لا ينام، تتدفق فيه الحياة على مدار الساعة. لذلك حين أرى مطار الملك خالد يتوقف عن استقبال الطائرات لعدة أيـام بسبب الظروف الاستثنائية أشعر بألم لا أستطيع إخفاء ه، لأنني أعـرف معنى أن تسكن الحركة في مدارج اعتادت هدير الطائرات، وأن تهدأ صالات اعتادت أصوات المسافرين، وأن تخفت التفاصيل التي كانت تشكّل إيقاع الحياة فيه، لكن هذا الألم يصاحبه شعور آخر لا يقل عنه قوة، هو الفخر. من أمضى عقوداً في صناعة الطيران يدرك أن قوة المطار ليست فقط في أيام التشغيل العادي مهما بلغت كثافة الحركة، فالقوة تتجسّد أيـــــــضاً بــــقــــدرتــــه عـــلـــى مــــواجــــهــــة الأخـــــطـــــار حين تضطرب الظروف، وبكفاء ة من يديرونه عندما تصبح الــقــرارات صعبة وتـكـون سلامــة الإنسان فوق كل الاعتبارات. الأحـــــداث الأخـــيـــرة الــتــي تــعــرّضــت لـهـا المــطــارات السعودية أعـادت إلى الواجهة حقيقة يـعـرفـهـا الـعـامـلـون فــي الــطــيــران، وهي أن قرار تعليق العمليات الــــجــــويــــة لــــيــــس عـــــجـــــزاً، بــل مـمـارسـة للمسؤولية حين تصبح حماية الأرواح أهم من استمرار الحركة. هــــــنــــــا تـــــــحـــــــديـــــــداً يـــظـــهـــر الـــــــــــوجـــــــــــه الآخــــــــــــــــــر لــــــقــــــوة المـــــطـــــارات الـــســـعـــوديـــة، فـمـا أظــــهــــرتــــه مـــنـــظـــومـــة الــــطــــيــــران المــــــدنــــــي الـــــســـــعـــــودي مــــــن تــنــســيــق واحـــتـــرافـــيـــة فــــي الـــتـــعـــامـــل مــــع الأحــــــداث الاسـتـثـنـائـيـة يستحق الـفـخـر والـتـقـديـر، ابــتــداء مــن الـهـيـئـة الـعـامـة لـلـطـيـران المــدنــي إلـــى شــركــات المـــطـــارات والملاحــــة الجوية والناقلات الوطنية، وفرق الإطفاء والإنقاذ والجهات الأمنية والخدمات الأرضية، وكافة الأجهزة والكوادر التي تعمل في الميدان وخلف الكواليس. منظومة متكاملة لا يمكن اخـتـزال نجاحها في جهة واحـــدة، فكل قـــرار يتعلق بـسلامـة الطيران تـقـف خلفه سلسلة مــن التقييمات والإجـــــراء ات والــتــنــســيــق بين جـــهـــات مـــتـــعـــددة، وقـــــد لا يـــرى المـسـافـر مــن كــل هـــذا الـجـهـد ســـوى إعلان تأخير رحلة أو تعليق العمليات. الطائرة التي تتأخر في الرياض تـؤخـر رحـلـة أخـــرى فـي مدينة بـــــعـــــيـــــدة، والمــــــســــــافــــــر الـــــــذي يــــــفــــــوتــــــه ارتـــــــــبـــــــــاط دولــــــــي تــتــغــيــر خـــطـــط أســــرتــــه أو عــــمــــلــــه، والــــشــــحــــنــــة الـــتـــي تـنـتـظـر الإقلاع قـــد تـكـون دواءً يـحـتـاجـه مـــريـــض أو بـضـاعـة يـنـتـظـرهـا تــاجــر أو قطعة غيار يتوقف عليها عمل مصنع، لذلك يمتد أثر توقف المطار إلى الاقتصاد والتجارة والسياحة وحياة الناس، المطارات لم تعد مجرد منافذ للسفر، إنها شرايين تربط المدن والدول والمجتمعات. إن قـدرة المطار على إدارة المخاطر واستعادة عملياته ليست مسألة تشغيلية فقط، بقدر ما هي قيمة اقتصادية ووطنية وإنسانية كبرى، والمملكة الـتـي تستثمر المـلـيـارات فـي مطاراتها وتعمل على تعزيز مكانتها العالمية فـي النقل والـخـدمـات اللوجستية، تــدرك أن البنية التحتية الحديثة لا تكفي وحدها ما لم تسندها كوادر مؤهلة وأنظمة ا . متقدمة وخطط للطوارئ وثقافة راسخة تضع سلامة الإنسان أولً لقد أظهرت الأحــداث الأخيرة مستوى عالياً من الجاهزية والتكامل بين الـجـهـات السعودية المعنية بـالـطـيـران، يعكس قـــدراً مـتـقـدماً من المهنية فـي إدارة المخاطر واسـتـمـراريـة العمليات، وهــذا لا يعني أن الأزمـات تمر دون خسائر أو آثار اقتصادية، إنـــمـــا يـعـنـي أن المــنــظــومــة تـمـتـلـك بـفـضـل الـــلـــه من الخبرة والانـضـبـاط مـا يمكّنها مـن التعامل مع أقسى الظروف بمنتهى المسؤولية. حين أتحدث عن مطار الملك خالد، لا أتحدث عن مكان عمل إنما أتحدث عن جزء من عمري، لهذا أحـــزن عـنـدمـا يسكن المــطــار، لكنني أفـخـر حين أعـرف أن هـذا السكون هو لحماية الأرواح، وأن ا ونـسـاءً يعملون بكفاء ة ومسؤولية وراء ه رجـــالً حتى تعود الحياة إلى مدارجه وصالاته. سـتـعـود الــطــائــرات إلـــى رحلاتـــهـــا المــجــدولــة، وستمتلئ الــصــالات بـالمـسـافـريـن، وسـتـضـيء المــــدارج مــن جــديــد، لـكـن ما ينبغي أن يبقى فـي الـذاكـرة هـو الطريقة التي واجهنا بها الخطر، والــكــوادر التي أدارت اللحظات الصعبة، والمنظومة الوطنية التي جعلت سلامة الإنسان فوق كل اعتبار. هذه هي القوة التي أعتز برؤيتها في وطني.. الوطن الذي ظلّ عصيّاً على الانكسار شامخاً فوق السحاب. مطار الملكخالد.. و«السردية السعودية» لحماية الحقيقة الـــســـرديـــة فـــي أبـــســـط مـفـاهـيـمـهـا هـــي بـــنـــاء فـكـري وسياق متكامل يربط الأسباب بالنتائج ليصنع رؤية أو تفسيراً محدداً لحدث أو قضية ما، ويمكن تفكيك هذا المفهوم إلى عدة أبعاد رئيسة، ومنها بـنـاء المعنى (جـمـع الحقائق والمـعـلـومـات لإقناع المــتــلــقــي)، والــتــوجــيــه والــتــركــيــز (إبــــــراز تفاصيل معينة مـن الـقـصـة)، والـقـيـم والـعـواطـف (ترسيخ قناعات فكرية أو مواقف سياسية واجتماعية). وتـتـعـدد الــســرديــات تــبــعاً لأهــدافــهــا؛ ف ــ «الـسـرديـة الرسمية» تعكس مشروعية الموقف ودلائله، بينما «سردية الجمهور» تعبّر عن القيم المجتمعية التي تـتـشـكّـل عــبــر مــنــصــات الـــتـــواصـــل، أمــــا «الــســرديــة الإعلامـــيـــة» فـتُـصـاغ بـمـا ينسجم مــع الـتـوجـهـات الرسمية وسياسات التحرير الخاصة، ولكن الأهم هو التأكيد على عملية التداخل والتفاعل بين هذه الأنــــواع وصــــولاً إلـــى تشكيل الــــرأي الــعــام المحلي والدولي، وكذلك التكامل بين «الحقائق المجرّدة» للحدث وتفاصيل وقـوعـه، وبين «السردية» التي تـحـاول تفسير تلك الحقائق فـي سـيـاق اتصالي أكثر انتشاراً وتفاعلاً. وتـــأســـيـــساً لــــذلــــك؛ تــــمــــارس الـــســـرديـــة دورهـــــــا فـي أوقات الأحداث والأزمات لصناعة الأطر المرجعية (الانـتـقـاء والإبـــــراز، اخـتـيـار المصطلحات، تنظيم الأدوار)، إلى جانب بناء الشرعية وحشد التأييد (تبرير الموقف، تعزيز التلاحم)، كذلك إدارة الحرب النفسية ومواجهة سردية الخصم (تفنيد الدعاية، تفكيك الـــروايـــة، إحـبـاط الـــروح المعنوية للعدو)، إضافة إلى تعزيز الاستقطاب وكسب الرأي العام الدولي بلغات متعددة عبر الدبلوماسية الرقمية. وفــي حـادثـة اسـتـهـداف مـطـار المـلـك خـالـد الـدولـي بــــالــــريــــاض مـــــؤخـــــراً حـــــاولـــــت جـــمـــاعـــة الـــحـــوثـــي الإرهــابــيــة أن تــقــدّم سـرديـتـهـا الـقـائـمـة عـلـى فكرة الـــــصـــــراع، وفــــــرض مـــعـــادلـــة المــــواجــــهــــة، ووظـــفـــت تقنيات الذكاء الاصطناعي، وممارسات الشائعات والتضليل لإخفاء جوهر الحقيقة، ولكن الرد على تلك الأكــاذيــب لـم يكن عبر بـيـانـات رسمية تدين الاعـــتـــداء الــغــاشــم فــقــط، وإنـــمـــا مـــن خلال مقاطع فـيـديـو أظـــهـــرت تـفـاصـيـل الاعـــتـــداء عـلـى مـدنـيين ومعتمرين في صالات السفر في المطار. وكـــــانـــــت هــــــذه المــــقــــاطــــع كـــافـــيـــة لـــنـــســـف وتـــعـــريـــة ســرديــة الـحـوثـي المـــضـــادة، بــل سـاهـمـت أيـــضاً في إعـــادة تشكيل الـــرأي الـعـام الـدولـي تـجـاه الـحـدث؛ فأصبح العالم متعاطفاً مع الضحايا والمصابين، والشعوب أيـضاً تعلق في منصات التواصل عن استنكار واستهجان عملية استهداف المدنيين في المطار، وانتهاك القانون الدولي والإنساني. لــقــد شــكّــلــت مــقــاطــع الــفــيــديــو لاســـتـــهـــداف المــطــار ســـرديـــة ســعــوديــة مـــوحـــدة (الــرســمــيــة، الـجـمـهـور، الإعلام)، مبنية على التكامل والتأثير المتبادل، حيث بدأت السردية الرسمية بالشفافية مدعومة بـالـحـقـائـق والمـعـلـومـات عــن المـــتـــوفين والمــصــابين وأعـــــدادهـــــم وجــنــســيــاتــهــم، بـيـنـمـا عـــــززت ســرديــة الجمهور السعودي من قيم التلاحم، ورفع الروح المـعـنـويـة، والـحـشـد الـعـاطـفـي الــتــي تـفـاعـل معها المقيمون على نطاق واســع، بينما أعطت وسائل الإعلام تحليلاً معمقاً في تفسير السردية بأبعاد سياسية وقانونية وإنسانية. إن الـتـكـامـل الــذكــي الـــذي جـمـع بين دقـــة الحقائق الرسمية، وعفوية المشاعر الإنسانية والوطنية، لـــم يــســهــم فــقــط فـــي تـــحـــصين الــجــبــهــة الــداخــلــيــة الــســعــوديــة وضـــمـــان اســتــقــرارهــا وتـمـاسـكـهـا، بل قـدّم نموذجاً حـياً للعالم؛ بـأن قـوة السعودية في العصر الرقمي لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية والميدانية، بل بقدرتها أيضاً على امـتلاك «سلاح السردية» لكشف الحقيقة وحمايتها من محاولات الـتـضـلـيـل والــتــزيــيــف الــعــمــيــق، وكـــذلـــك تـحـصين الــــوعــــي الـــجـــمـــعـــي لمـــواجـــهـــة تــــداعــــيــــات الأحـــــــداث والأزمات. المرأة السعودية والعدالة الرقمية الــصــادر 2025 وفــقًـــا لـتـقـريـر إنــتــرنــت الـسـعـوديــة لــعــام عــن هيئة الاتـــصـــالات والـفـضـاء والـتـقـنـيـة، بلغت نسبة ،%45.2 استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المملكة ،%52.8 فيما وصـلـت نسبة الاسـتـخـدام بين الإنـــاث إلــى % بين الذكور. وتشير البيانات نفسها إلى 39.4 مقارنة بـ أن الـنـسـاء سجلن حــضــورًا ملحوظًا فـي استخدام هـــذه الأدوات لأغــــراض الـتـعـلـيـم والـــدراســـة، وإنشاء الصور والعروض، والترجمة. لــكــن الــتــقــريــر لا يـكـشـف المــســافــة بين امتلاك التقنية وامتلاك القدرة على الــتــأثــيــر فـــي مـــســـارهـــا. فالمستقبل الرقمي لا تصنعه الأدوات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا القرارات التي تـــحـــدد اســتــخــدامــاتــهــا، والمـعـايـيـر الـــتـــي تـحـكـمـهـا، والأولـــــويـــــات الـتـي توجهها. لذا فإن الحديث عن المرأة السعودية في عصر الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يتجاوز الاحتفاء بقدرتها على التعلم والتكيّف، إلى مساء لة موقعها في صناعة المعرفة والاقتصاد والقرار. هــذه الأرقـــام تستحق التوقف عندها، لا لمـجـرد الإشــارة إلـــى ارتـــفـــاع اســتــخــدام الـنـسـاء للتقنية، بــل لأنـهـا تتيح لــنــا طــــرح ســـــؤال أكـــثـــر أهـــمـــيـــة: مـــــاذا تفعل ـــــــــرأة الــــســــعــــوديــــة بــهــذه ا الأدوات، وإلى أي مدى تستطيع تحويل استخدامها إلى فرص معرفية ومهنية واقتصادية؟ فالاستخدام في حد ذاته ليس مقياسًا كافيًا للتمكين. قد تستخدم المرأة أداة ذكية لتلخيصكتاب، أو إعداد عرض، أو تعلّم لغة، أو تطوير مشروع صغير، وقد تستخدمها أخـــــرى فـــي بـــنـــاء تــطــبــيــق، أو تـحـلـيـل بـــيـــانـــات، أو تأسيس مشروع تقني. وفي الحالتين هناك استفادة، لكن طبيعة القيمة التي يمكن إنتاجها ومدى تأثيرها يختلفان. إن التحدي ليس في أن تصل المرأة إلى التقنية فحسب، بل في أن تتاح لها الفرصة للانتقال من استهلاك المـــــعـــــرفـــــة إلـــــــــى إنـــــتـــــاجـــــهـــــا، ومـــــن الاستفادة من الحلول إلى المشاركة في ابتكارها. الـعـدالـة فـي العصر الـرقـمـي لا تعني إتـــاحـــة الأداة لـلـجـمـيـع فــحــســب، وإنــمــا تعني أيـضًـا توسيع الـقـدرة على الاستفادة مـــنـــهـــا، والمــــنــــافــــســــة بــــهــــا، والمـــــشـــــاركـــــة فـــــي تــحــديــد اتجاهاتها. لـيـسـت الـقـضـيـة أن نـثـبـت أن المـــــرأة تـسـتـطـيـع اسـتـخـدام الـذكـاء الاصطناعي. القضية هـي أن نضمن ألا تتوقف مشاركتها عند حدود الاستخدام، وأن تجد المسارات التي تنقلها إلى الابتكار والقيادة وصناعة القرار. ولدينا بالفعل نساء سعوديات قادرات على خلق الفرق واعــتــقــد أنــهــن يـعـمـلـن الآن عــلــى ذلــــك، نــحــن فقط ننتظر الإحصاء ات القادمة. @munifalharbi منيفالحربي كاتبسعودي قُـمـــرة 07 الرأي المستقبل الرقميتصنعه القرارات جاهزية المطارات السعودية تعكسكفاءة إدارة الأزمات قوة المطارات تتجلى فيمواجهة التحديات MAY_KHALED@HOTMAIL.COM مي خالد كاتبةسعودية حين تُستهدفالمطارات.. يسقط القناع عن الحوثي فـي صالة المسافرين بمطار الملك خـالـد، كـان الـنـاس ينتظرون رحلاتـهـم، كثير منهم بلباس الإحرام قاصدين مكة بقلوب مطمئنة، وآخرون عائدون إلـى أهلهم أو ذاهـبـون إلـى أعمالهم، ثم جـاء الاعـتـداء الإرهـابـي الحوثي، وسقط اثنا عشر شهيداً وأكـثـر مـن ثلاثمئة جريح مـن ثماني جنسيات، سعوديون وبنغلاديشيون وأمريكي ومصري وأردني وسوري وفلسطيني وسوداني، لم يكونوا جنوداً ولا أهدافاً عسكرية، بل بشراً عاديين وراءهم أمهات ينتظرن وأطفال يسألون متى يعود أبوهم، ومن يقصف هذا المشهد لا يخوض حــرباً بـل يرتكب جريمة، وهـو هجوم ليس مـعـزولاً، فقد كان الثالث على المطار نفسه في أسبوع واحـد بعد هجمات طالت مطار أبها ومواقع أخرى، والجماعة الإرهابية لا تخفي نهجها بل أعلنت تحذيرها لشركات الطيران الدولية مـن استخدام الأجـــواء السعودية، وهــذا تهديد معلن للطيران المـدنـي وإعلان صريح بـأن حياة الـركـاب ورقــة ضغط في يـــدهـــا، ولا حـجـة تــبــرر هـــذا الـفـعـل ولا ســيــاق يـخـفـفـه، فــالــقــانــون الــدولــي الإنساني واضح في حماية المدنيين والأعيان المدنية والمطارات المدنية في صدارتها، ومن يتعمّد استهدافها يضع نفسه خارج كل عرف وكل شرعية وتنطبق عليه صفة الإرهاب بلا مواربة، وهو ما قالته قوات التحالف حين وصفت الهجوم بأنه عمل إرهابي سيُرد عليه بحزم، وقد جاء التضامن كـمـا هــو مـتـوقـع، فــأدانــت الـجـامـعـة الـعـربـيـة وقـطـر والـبـحـريـن والإمــــارات والكويت والأردن، وأدانـــت واشنطن والاتـحـاد الأوروبـــي، وطالب مجلس الـتـعـاون المجتمع الــدولــي بموقف حـــازم ورادع، لكن الإدانــــة مهما كانت صادقة تبقى كلمات إن لم تتحول إلى فعل، والمطلوب اليوم أن يصير هذا الإجماع مساء لة حقيقية وضغطاً فعلياً وإغلاقاً لمنافذ التسليح والتمويل التي تمنح الجماعة قدرتها على الإيذاء، وهنا جوهر المسألة، فالحوثي لا يهدد السعودية وحدها بل يهدد منظومة الأمن والسلم الدوليين، إذ حين تُضرب مطارات الرياض وأبها فإن الملاحة الجوية العالمية هي المستهدفة، وحين تتعرض مـمـرات البحر الأحـمـر وبـــاب المـنـدب للخطر فــإن سلاسـل الإمداد وأسواق الطاقة تدفع الثمن، ومن يعطل الطيران المدني في عاصمة يملك المنطق نفسه لتعطيله في أي عاصمة أخرى، فالخطر عابر للحدود ولا يُواجَه بمواقف مجزأة، ومع ذلك تُثبت المملكة مرة أخرى أن قوتها لا تلغي حكمتها، فهي تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع والــردع كما أكدت في بياناتها منذ بـدء التصعيد، لكنها لا تغلق بـاب التهدئة، والاتصال الأخير بين وزيـري الخارجية السعودي والإيـرانـي، الـذي بحث التصعيد وسبل احـتـواء تداعياته، دليل على أن الـريـاض تبقي قنواتها مفتوحة، وقـد أعلنت طهران من جانبها استعدادها للمساعدة في بـدء محادثات لخفض التصعيد، وهذا الانفتاح ليسضعفاً بل حساب سياسي مدروس، فالمملكة تدرك أن الأمن المستدام لا تصنعه الصواريخ وحدها وأن كل حرب تنتهي إلى طاولة تفاوض، لكنها تدرك أيضاً أن التفاوض الجاد له شرط أولا هو وقـف استهداف المـدنـيين، فلا يمكن لطرف أن يطلب التهدئة بيد ويُطلق الصواريخ على المطارات باليد الأخرى، وعلى الحوثي أن يختار، فإما أن يكون طرفاً في تسوية سياسية تحفظ اليمن وتحمي المنطقة، وإما أن يبقى تهديداً يستدعي مواجهة دولية شاملة، وما عدا ذلك وهم، فدماء شهداء مطار الملك خالد تطالب العالم بـألا يكتفي بـالإدانـة، وبـأن يحمي الأبرياء ويحاسب من استهدفهم. @ramialkhalife راميالخليفة العلي باحثسياسي تُثبت المملكة أن قوتها لا تلغيحكمتها، فهيتحتفظ بحقها الكاملفيالدفاع والردع كما أكدتفيبياناتها منذ بدء التصعيد الأربعاء م، 2026 أكتوبر 14 هـ 1448 جمادىالأولى 3 21614 السنة التاسعة والستون العدد مطار الرياض.. القوة فيأصعب اللحظات

RkJQdWJsaXNoZXIy MTExODQ0MQ==