Okaz

فـــي الــثــالــث والــعــشــريــن مـــن سـبـتـمـبـر مـــن كـــل عـــام، يــــحــــدث شـــــيء يـــتـــجـــاوز الاحــــتــــفــــال بـــتـــاريـــخ عـلـى التقويم؛ يستعيد السعوديون حكاية وطنهم من بدايتها، ثم ينظرون حولهم ليروا إلى أين وصلت. ومــع الأعــــوام، لـم يعد الـيـوم الوطني مـجـرد ذكـرى لوطن توحّد، بل أصبح كرنفال حب لوطن يتجدّد؛ يـــوماً تلتقي فـيـه ذاكــــرة عـبـدالـعـزيـز بـطـمـوح جيل يعيش تــحــوّلاً لـم تـعـرفـه الــــبلاد بـهـذا الاتــســاع من قبل. وبين الـذاكـرة والطموح، يبرز سـؤال يستحق أن نسأله كل عام: ما الذي يجعل اعتزاز السعودي بوطنه يكبر كلما كبر الوطن؟ في اليوم الوطني لا نحتفل بتاريخٍ مضى بقدر ما نحتفل بدولة أثبتت، جيلاً بعد جيل، قدرتها على أن تحفظ أصلها وهي تتقدّم، وأن تصون هويتها وهـي تتغيّر، وأن تجعل من الأمـن قاعدةً للعمران لا غـــايـــةً تـقـف عــنــدهــا. وربـــمـــا هـنـا تــحــديــداً تكمن خصوصية التجربة السعودية: ثبات في الأصـل، وجرأة في البناء، ودولة تعرف من أين بدأت وإلى أين تريد أن تصل. حين وحّــــد المــلــك عـبـدالـعـزيـز هـــذه الـــــبلاد، لـــم يكن يـجـمـع أرضاً مـتـفـرقـة تـحـت رايــــة واحــــدة فحسب؛ كان يؤسّس دولة تستمد مرجعيتها من شرع الله، وتعيد للناس الأمــن بعد الـفـرقـة، وتجمع الكلمة، ثم تأخذ بأسباب عصرها كلما كان فيها ما يقوي الــدولــة ويـحـسّـن حـيـاة الــنــاس. لــم يـــرَ المــؤســس في التحديث خـصـماً للهوية، ولا فـي المحافظة على الأصـل عـذراً للتوقف. فالملك المؤسس لم يبنِِ دولـة تعيش على أمجاد ماضيها، بل دولةً تعرف أصلها وتفهم زمانها؛ ثابتةً في دينها وهويتها، متحركة فــي أدواتـــهـــا، وكــــان الأمــــن فـيـهـا بــدايــة الــعــمــران لا نهايته. ومــضــت الـــدولـــة عـلـى هـــذه الــقــاعــدة. تـغـيّـر المــلــوك، وتـغـيّـر الـعـالـم، واتـسـعـت المـــدن، وتعقد الاقـتـصـاد، وتبدلت أدوات الحكم والإدارة، لكن الأمانة بقيت واحدة: دين ووحدة وأمن وإنسان ودولة لا تتوقف عن التطوير. وحمل أبناء عبدالعزيز تلك الأمانة جيلاً بعد جيل، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي صان إرث الدولة، وفي عهده انطلقت بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان واحدة من أوسع مراحل التحوّل في تاريخ المملكة الحديث. وفــــــي مـــحـــمـــد بـــــن ســـلـــمـــان تـــجـــلـــت هــــــذه الـــقـــاعـــدة الــســعــوديــة بـــصـــورة جــــديــــدة؛ فــلــم يــكــن الإرث في رؤيـتـه مـاضـياً يُـصـان فحسب، بـل قـــوةً يُبنى بها المستقبل. ولـعـل مـا يميز شخصيته الـقـيـاديـة أنه لا ينظر إلـــى الـطـمـوح بـوصـفـه أمـنـيـةً للمستقبل، بل مسؤوليةً تبدأ من قرار اليوم؛ يرفع السقف، ثم يدفع مؤسسات الدولة والمجتمع إلى بلوغه. وفي طريقته في القيادة شيء من عدم الرضا بالاكتفاء بما تحقق؛ فالسؤال عنده لا يقف طـويلاً عند أين وصلنا، بل ينتقل سريعاً إلى: أين ينبغي أن نصل؟ رفـــــع ســـقـــف الـــطـــمـــوح الــــســــعــــودي، وأعـــــــاد تـشـكـيـل الاقــــتــــصــــاد، وفــــتــــح قــــطــــاعــــات، وبــــنــــى صـــنـــاعـــات، واستقطب استثمارات، ودفـع بالتقنية والسياحة والـثـقـافـة والـريـاضـة إلــى قلب المشهد الاقـتـصـادي والاجـــــتـــــمـــــاعـــــي، ووســــــــع مــــســــاحــــة حــــضــــور المـــــــرأة والشباب في التنمية، وفي الوقت نفسه أعاد رسم موقع المملكة في السياسة والاقتصاد الدوليين. لم يعد المستقبل بالنسبة للسعودي شـيـئاً ينتظره؛ أصبح يرى وطنه يذهب إليه. ولعل بعض التحوّلات الكبرى لا تستطيع الأرقام وحــــدهــــا قـــيـــاســـهـــا؛ لأن شـــيـــئاً مـــهـــماً تـــغـــيّـــر داخــــل الـسـعـودي نفسه. تغيرت الطريقة التي ينظر بها إلـــى وطــنــه، والـطـريـقـة الـتـي ينظر بـهـا الـعـالـم إلـى السعودية. أصبح السعودي حين يحمل اسم بلاده خارجها يعرف أن خلفه دولــة حـاضـرة فـي القرار السياسي والاقتصاد والاستثمار والطاقة والثقافة والرياضة؛ دولـة لا تبحث عن مكان على الطاولة، بل أصبح وجودها جزءاً من تشكيل كثير مما يدور حولها. لكن الدول لا تُختبر في سنوات الرخاء وحدها وهـــــذا الـــعـــام تــحــديــداً أعــطــانــا مـعـنـى آخــــر للفخر بـــالـــدولـــة. فــفــي إقــلــيــم شــهــد تــــوتــــرات ومـــواجـــهـــات وتـــهـــديـــدات، وعــاشــت فـيـه مـجـتـمـعـات قـريـبـة على وقع الإنـــذارات وتعطل بعض الــرحلات واضطراب الحسابات، بقيت الحياة في المملكة تمضي. ذهب الناس إلى أعمالهم، والأبناء إلى مدارسهم، وعملت المــطــارات والأســـــواق، واسـتـمـرت المـشـاريـع، وتحرك الاســـتـــثـــمـــار، ومـــضـــت خــطــط الــتــنــمــيــة. لـــم يــكــن ما حولنا هادئاً؛ لكن السعودية بقيت ثابتة. ولعل ما يستحق التوقف عنده أيضاً أن هذا الثبات لم يكن في مؤسسات الـدولـة وحـدهـا، بل ظهر في وعـــــي المـــجـــتـــمـــع الــــســــعــــودي، وشـــبـــابـــه عـــلـــى وجـــه الخصوص. ففي أوقات الأزمات تُختبر المجتمعات كـمـا تُـخـتـبـر الــــــدول؛ بـالـشـائـعـة، والــخــبــر المـضـلـل، ومحاولات إثارة الخوف أو التشكيك. وفي كل مرة يثبت الشاب السعودي أنـه أكثر وعـياً بوطنه مما يظن به من يراقبه من بعيد؛ يعرف متى يتحدث، ومـتـى يـتـحـقـق، ومـــن أيـــن يـأخـذ خــبــره، ويــــدرك أن الاصطفاف خلف قيادته عند الخطر ليس انفعالا عـــابـــراً، بـــل مــســؤولــيــة وطــنــيــة. ومــــن الـصـغـيـر إلــى الكبير، تشكلت في المملكة عبر السنين علاقـة بين المواطن ودولته قوامها أن الاخــتلاف في تفاصيل الحياة ممكن، لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الوطن وسيادته، تصغر المسافات وتصبح السعودية هي الموقف. وهـــذه ليست مـصـادفـة، ولا ينبغي أن نـقـرأ الأمــن باعتباره مجرد غياب للخطر. خلف اليوم العادي الــــــذي يــعــيــشــه المــــواطــــن دولــــــة تــعــمــل حـــتـــى يـبـقـى يومه عــادياً؛ مؤسسات تحمي، وقيادة تستشرف، ودبـلـومـاسـيـة تخفض التصعيد، وقــــدرات تُبنى، واقــتــصــاد لا يُـسـمـح للأزمـــــات بـــأن تــوقــف مــســاره. وهنا يصبح الأمن إنجازاً لا نراه دائـماً، لأن أجمل صوره أن يعيش الإنسان حياته من دون أن يشعر بحجم ما بُذل لحمايتها. وللاستقرار أيضاً قيمة اقتصادية لا تقل عن قيمته الإنسانية. فالاستقرار أصـل اقتصادي. رأس المال يـحـسـب المــخــاطــر قـبـل الأربــــــاح، والمـسـتـثـمـر طـويـل الأجـــــل يـــريـــد دولـــــة يـسـتـطـيـع أن يــثــق بــمــســارهــا، والمشروعات الكبرى لا تُبنى حيث يصبح المستقبل رهينة للأزمة التالية. ولذلك فإن قدرة المملكة على حماية استقرارها بينما تمضي في تحولها ليست منفصلة عن نجاحها الاقتصادي؛ بل هي أحد أهم شروطه. وهنا أفهم عبارة «عزّنا في حكّامنا» هذا الـعـام بمعنى أكـبـر مـن شـعـار مناسبة. الـعـز ليس في الكلمات، بل في أن يكون لك وطن يعرف كيف يحمي وهو يبني، وكيف يصنع الـسلام من موقع القوة، وكيف يتغير من دون أن يفقد هويته، وكيف يجعل المواطن محور التنمية وغاية الأمن معاً. عــزّنــا فــي عـبـدالـعـزيـز الــــذي وحّــــد الأرض وأرســـى الأمـن، وفي أبنائه الملوك الذين حملوا الأمانة من بعده، وفـي سلمان الـذي صـان الإرث، وفـي محمد بـن سلمان الـــذي أخــذ هــذا الإرث إلــى زمــن جديد، ورفع سقف الممكن أمام جيل سعودي شاب لم يعد يــرى نفسه متلقياً لمستقبل وطـنـه، بـل شـريـكاً في صناعته. وفي يومنا الوطني، لا نحتفل فقط بوطن مضى عـلـى تأسيسه عــقــود؛ نحتفل بـفـكـرة دولـــة أثبتت قدرتها على التجدد. دولة بدأت بوحدة الأرض، ثم بنت الإنسان والمؤسسة والاقتصاد، وها هي اليوم تبني المستقبل من دون أن تفقد أصلها. ومـــن عـبـدالـعـزيـز الــــذي عـــرف أصـــل الـــدولـــة وفـهـم زمانه، إلى سلمان الذي صان أمانتها، إلى محمد بـــن ســلــمــان الـــــذي وسّـــــع أفــقــهــا وأعــــــاد لـلـسـعـودي شـــعـــوراً كــبــيــراً بــمــكــان وطـــنـــه فـــي الـــعـــالـــم؛ تتغير المنطقة، وتتبدل موازين العالم، وتتسارع الأحداث، ويبقى الثابت أن لهذه البلاد قيادة تعرف قيمة ما ورثت، وشعباً يعرف قيمة ما يملك. ولهذا نقولها في يومنا الوطني، لا كشعارٍ عابر، بل كمعنى عاشه السعوديون جيلاً بعد جيل: عزّنا في حكّامنا... ثباتُ وطن وعزيمةُ دولة. 70 الأربعاء م، 2026 سبتمبر 23 هـ 1448 ربيع الثاني 12 21596 السنة التاسعة والستون العدد هنا السعودية... هنا تبدأ حكاية المجد د. طارقعطية السلمي عبدالعزيز بن عبدالله حنفي محمد بنفيصل المبارك فراسإبراهيمطرابلسي حين تُــذكــر الـسـعـوديـة لا يحضر اســـم وطـــن فـحـسـب، بل تحضر حكاية أمة صنعت من التاريخ أساسًا للمستقبل، ومن الوحدة مشروعًا للدولة، ومن الصحراء فضاءً واسعًا للطموح. هنا، تتعانق أصالة الماضي مع طموحات الغد، تبدأ حكاية مجدٍ لم تُكتب فصولها بالحبر وحده، وإنما كُتبت بالعزيمة والإرادة والإيـمـان بـأن بناء الأوطـــان لا يكون إلا حين تتوحد الرؤية والقلوب. في اليوم الوطني السعودي، لا تحتفي المملكة بذكرى عـابـرة فـي صفحات الـتـاريـخ، وإنـمـا تستحضر مسيرة وطـن استطاع أن ينتقل من مرحلة التأسيس والوحدة إلى مرحلة البناء والتنمية، ثم إلى مرحلة أكثر طموحًا عنوانها: صناعة المستقبل. إنـهـا قصة بـــدأت حين تـوحـدت أرجـــاء الـــبلاد تحت رايـة واحــدة، وأصبح للوطن اسـم واحـد وكيان واحـد وهوية واحدة. ومنذ ذلك التاريخ، أخذت المملكة طريقها بثبات، فكبرت المدن، وتطورت المؤسسات، واتسعت آفاق التعليم، وتقدمت الخدمات، وتنوع الاقتصاد، وأصبح الإنسان السعودي محورًا رئيسيًا في مسيرة التنمية. ولأن الأوطان العظيمة لا تقاس بما وصلت إليه فقط، بل بما تطمح إلى الوصول إليه، فإن السعودية اليوم تكتب ا جـديـدًا مـن حكايتها. فصلٌ تتداخل فيه التقنية فــصلً والاقتصاد والثقافة والسياحة والصناعة والاستدامة، وتــتــحــوّل فـيـه الـطـمـوحـات إلـــى مــشــاريــع، والأفـــكـــار إلـى إنجازات، والرؤية إلى واقع يتشكل أمام العالم. بوصفها 2030 ومن قلب هذه المسيرة تأتي رؤية المملكة مـــشـــروعًـــا وطـــنـــيًـــا واســـــع الأفــــــق، أعـــــاد تــعــريــف مـفـهـوم التنمية، وفتح أبوابًا جديدة أمام الشباب، ودعم الابتكار وريـــــــادة الأعــــمــــال، وعـــــزز حـــضـــور المــمــلــكــة فـــي مختلف المــجــالات. فلم تعد التنمية مـجـرد تـوسـع فـي المـشـاريـع، بــل أصـبـحـت بــنــاءً لإنــســان قـــادر عـلـى صـنـاعـة التغيير، ومجتمع أكثر حيوية، واقتصاد أكثر تنوعًا، ووطن أكثر حضورًا وتأثيرًا. وفي كل مدينة وقرية، يمكن رؤية ملامح هذه الحكاية. في الجامعات التي تصنع المعرفة، والمستشفيات التي تقدم الرعاية، والمصانع التي تدعم الاقتصاد، والمشاريع الـكـبـرى الـتـي تعيد رســـم ملامـــح المستقبل، وفـــي شباب وشابات يحملون أحلامهم بثقة ويبحثون عن مكان لهم في وطن يفتح أبوابه للطموح. لكن أجمل ما في الحكاية أن المستقبل، رغم كل ما يحمله من تطور، لا يأتي على حساب الماضي. فالسعودية التي تتطلع إلى الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والمدن الذكية، هي ذاتها السعودية التي تعتز بتراثها، وتحافظ على تاريخها، وتستحضر إرث أجــدادهــا، وتـؤمـن بأن الــحــداثــة الـحـقـيـقـيـة لا تـعـنـي الـتـخـلـي عـــن الـــجـــذور، بل الانطلاق منها نحو آفاق أوسع. وهكذا يصبح اليوم الوطني لحظة للتأمل قبل أن يكون لحظة للاحتفال؛ لحظة نسأل فيها: ماذا صنعنا؟ وماذا نستطيع أن نصنع؟ وما الذي نريد أن يرويه أبناؤنا عن وطنهم بعد سنوات؟ إن الإجــابــة لا تـحـتـاج إلـــى كثير مــن الـكـلـمـات، فالمشهد الـسـعـودي الـيـوم يتحدث عـن نفسه. وطـــنٌ يضع أهـدافًـا كبيرة، ويعمل لتحقيقها، ويمنح أبناء ه مساحة واسعة للمشاركة في صناعة مستقبله. هنا السعودية... وهنا تبدأ حكاية المجد. حكاية وطن لم يتوقف عند حدود ما حققه، ولم ينظر إلى التاريخ باعتباره نهاية الطريق، بل جعله نقطة انطلاق. وطـن يعرف أن المجد الحقيقي ليس في أن نتحدث عن الإنجازات، وإنما في أن نستمر في صناعتها. وفــي يــوم الــوطــن، تبقى الــرايــة خـفـاقـة، ويبقى الانتماء حـــاضـــرًا فـــي الـــقـــلـــوب، ويــبــقــى المـسـتـقـبـل مــفــتــوحًــا على احتمالات أكبر. فمن هنا بدأت الحكاية... ومن هنا أيضًا، تبدأ فصول جديدة من المجد. أمسصنع المجد... واليوم يصنع المستقبل. باحثمتخصصفيالتاريخ والتراث السعودي @alsulami_tariq @FirastrabuIsi1 @malmuadi1 لا تحتفيالمملكة بذكرىعابرة في صفحات التاريخ، وإنما تستحضر مسيرة وطن استطاع أن ينتقلمن التأسيسإلىالبناء السعودية اليوم ا جديدًا تكتبفصلًا من حكايتها تتحوّل فيه الطموحات إلى مشاريع عزّنا فيحكامنا... ثبات وطن وعزيمةُ دولة عزّنا بطبعنا.. وطن يعتز بماضيه ويصنعمستقبله مـنـذ أن وحّــــد المــلــك عـبـدالـعـزيـز بن عـبـدالـرحـمـن آل ســعــود -طــيــب الـلـه ثـــراه- هــذه الــــبلاد، ووطـنـنـا يمضي فـــــي مـــســـيـــرة صـــنـــعـــتـــهـــا الـــعـــزيـــمـــة، وحـــمـــلـــتـــهـــا أجـــــيـــــال حـــافـــظـــت عـلـى قيمها، لتظل هوية الوطن حاضرة فـي طـبـاع أبـنـائـه، كما هـي حاضرة في تاريخه. نـحـتـفـل بــوطــن امـــتـــدت قـصـتـه عبر الأجــــيــــال، وبـــالـــطـــبـــاع الـــتـــي شـكّـلـت هــــويــــتــــنــــا، وجــــعــــلــــت مــــــن الإنـــــســـــان السعودي عنواناً للجود والشجاعة والهمة والأصالة. إن المـــلـــك المــــؤســــس عـــبـــدالـــعـــزيـــز بـن عـبـدالـرحـمـن آل ســعــود قـــاد ملحمة توحيد هذا الكيان بعد أن كان ممزقاً في كيانات متناحرة، ولكنه بفضل المـــولـــى وبـصـحـبـة رجـــــال مـخـلـصين استطاع أن يؤسس نظام حكم على مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية المـطـهـرة، فهما الأســــاس الـــذي تقوم عليه حـيـاة كــل مـسـلـم، وهـمـا لحمة تماسك المجتمع المسلم. فـــي مـثـل هـــذا الـــيـــوم ســجّــل الـتـاريـخ مولد هذا الوطن الغالي الـذي يضم أقــــــدس بـــقـــاع الـــعـــالـــم، بـــعـــد مـلـحـمـة بـطـولـيـة عــلــى مــــدى اثـــــنين وثلاثين عـــــاماً، بـعـد اســـتـــرداد المــلــك المـؤسـس -طـــيـــب الـــلـــه ثـــــراه- مــديــنــة الـــريـــاض، عــاصــمــة مــلــك أجــــــداده وآبــــائــــه، وتــم توحيد كـل أجـــزاء الـدولـة السعودية الحديثة تحت اسـم المملكة العربية السعودية، واعتُبر يوماً لإعلان قيام هذا البلد المبارك. مناسبة اليوم الوطني من المناسبات الأكثر ثباتاً في الذهن ورسـوخاً في الــذاكــرة، بعد مسيرة حافلة سُطّرت فـــيـــهـــا ملاحـــــــم خـــــالـــــدة فـــــي تــوحــيــد وبناء هذا الوطن الشامخ، يوم شهد تـتـويـجاً لمـسـيـرة جــهــاد مـلـك عظيم، وانــــطلاقاً لمسيرة جـهـاد أعـظـم نحو تــنــمــيــة وبــــنــــاء الـــــدولـــــة الـــســـعـــوديـــة الحديثة. إن أبرز القيم والمضامين التي يجب أن نستشعرها هي أن نقف في ذكرى اليوم الوطني وقفة تأمل، نستعيد فيها أبعاد توحيد المملكة العربية الـــســـعـــوديـــة عــلــى يـــد المـــلـــك المــؤســس وانعكاساتها على المجتمع تنمية وتـــــطـــــوراً. لـــقـــد غـــــرس تـــوحـــيـــد هـــذه الـــبلاد أول بــذور النماء التي تشكّل منها عصب الاقتصاد السعودي، إذ أثبتت تجارب الأمم أن الأمن الوطني والاســــــتــــــقــــــرار الــــســــيــــاســــي شــــرطــــان أساسيان للنمو الاقتصادي. عـــلـــيـــنـــا أن نــــتــــذكــــر أن مـــــا نــعــيــشــه مـــن طـمـأنـيـنـة نـفـسـيـة واقــتــصــاديــة واجـتـمـاعـيـة وأســـريـــة قـلّـمـا تجتمع في شعب واحــد، فالشعوب الغربية بترفها واقتصادياتها الكبيرة، إلا أنها تعاني من الانهيارات الأسرية والـــــخـــــواء الـــــروحـــــي، وفـــــي الــجــانــب الآخــر بلاد غنية بالجانب الروحي والــــنــــفــــســــي، لـــكـــنـــهـــا تــــعــــانــــي أزمــــــة اقتصادية؛ لذلك تنعم بلادنـــا، ولله الحمد والمنة، بميزة جمعت محاسن الـــــديـــــن والـــــدنـــــيـــــا، والــــفــــضــــل يـــعـــود لــتــوفــيــق الـــلـــه عـــز وجــــل ولـقـيـادتـنـا الــحــكــيــمــة الـــتـــي طـــبّـــقـــت شـــــرع الـــلـــه، وبــذلــك اسـتـطـاعـت أن تـجـنّـب الـــبلاد أزمات اقتصادية وفتناً كقطع الليل المظلم. الأحلام أصـــبـــحـــت واقـــعـــيـــة فــــي كـل مناحي الحياة بالمملكة، إذ انعكست بوضوح على مشاريع كبيرة راهنت ، وهو 2030 عليها المملكة في رؤية ما جعلها ترسّخ من قوتها ومكانتها لمواصلة دورها المهم والمحوري على جميع الأصعدة؛ لذلك تشهد المملكة نـمـواً مــتــســارعاً وتـــحـــوّلاً اقـتـصـادياً تــاريــخــياً وغـيـر مـسـبـوق لـعـدم تأثر الاقــــتــــصــــاد بــــــالأحــــــداث الــســيــاســيــة بالمنطقة، مما شجّع رؤوس الأموال المحلية والخارجية على الاستثمار والاستفادة من الفرص والتسهيلات الــكــبــيــرة الـــتـــي تـمـنـحـهـا حـكـومـتـنـا الـرشـيـدة، مما ساعد فـي دفـع عجلة التنمية. لـــقـــد كـــانـــت انــــطلاقــــة هـــــذه الـنـهـضـة منذ اليوم الوطني السعودي الأول.. ولا يـــزال عـطـاء ذلـــك الــغــرس المـبـارك مـــســـتـــمـــراً، عــــشــــرات الأعـــــــــوام حــافــلــة بالإنجازات على هذه الأرض الطيبة الـــتـــي وضــــع لــبــنــاتــهــا الأولــــــى المـلـك المــــؤســــس، وواصــــــل أبــــنــــاؤه تحقيق الإنــــــــجــــــــازات المــــتــــواصــــلــــة ســـيـــاســـياً واقــتــصــادياً وتــنــمــوياً فــي مملكتنا الــحــبــيــبــة، لـــتُـــجـــسّـــد مـــســـيـــرة الــبــنــاء والــرخــاء لـلـدولـة الـفـتـيـة. وتـتـواصـل مسيرة التنمية والتطوير في أبهى صـــورهـــا فـــي عــهــد خـــــادم الـــحـــرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولــــي عــهــده الأمين رئــيــس مجلس الـــوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. فــــقــــد شـــــهـــــدت المــــمــــلــــكــــة فــــــي الـــعـــهـــد الزاهر مشاريع عملاقة في مختلف المــــــجــــــالات الـــتـــعـــلـــيـــمـــيـــة والـــصـــحـــيـــة والــــبــــلــــديــــة والــــعــــمــــرانــــيــــة والــــطــــرق والمــــــواصلات، إضــافــة إلـــى المـشـاريـع العملاقة التي شهدتها مكة المكرمة والمـشـاعـر المـقـدسـة والمـديـنـة المـنـورة، خــــــدمــــــةً لــــضــــيــــوف الــــــرحــــــمــــــن، إلــــى جـانـب الارتــقــاء بالمستوى المعيشي والــتــعــلــيــمــي لـــلـــمـــواطـــن الـــســـعـــودي، وغـــيـــر ذلـــــك مــــن مـــشـــاريـــع الــتــطــويــر والتحديث الـتـي جعلت المملكة في مصاف الدول المتقدمة. إننا مطالبون اليوم بتعزيز وحدتنا الـوطـنـيـة وتـوحـيـد صفنا وكلمتنا وأهـــــدافـــــنـــــا بــــمــــا يــــعــــبّــــر عـــــن حــبــنــا الـحـقـيـقـي لــلــوطــن، مـــن خلال نـوافـذ أكــثــر وعــــياً وإشـــــراقاً تــكــرّس للوعي بــقــيــمــة الــــوطــــن، نــشــحــذ فـــيـــه الـهـمـم لمـواصـلـة الـبـنـاء والـتـطـور والتنمية الـــحـــضـــاريـــة، ونـــجـــسّـــد فـــيـــه تلاحــــم المــــــواطــــــنين مــــع الــــقــــيــــادة الــحــكــيــمــة ووحــــدة الـــــبلاد، ونــــزرع روح الـــولاء والانتماء لهذا الوطن. حـــفـــظ الــــلــــه لــــهــــذه الـــــــــبلاد المـــبـــاركـــة قـــيـــادتـــهـــا، وأدام عـــزهـــا ورخــــاءهــــا وأمــــنــــهــــا؛ لــتــســتــمــر مـــســـيـــرة الـــبـــنـــاء والنماء والعطاء، إنه سميع مجيب الدعاء. • رئيسمجلسإدارة الجمعيات الأهلية بمنطقة مكة المكرمة رئيسمجلسإدارة جمعية خيركم لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه بمنطقة مكة المكرمة منيعليكمياهل العوجاس م فـي كـل عـــام، يـأتـي الـيـوم الـوطـنـي ليمنحنا فـرصـة للتوقف قــلــيلاً، ليس فقط لنتذكر كيف بـدأت مسيرة توحيد الـوطـن، وإنما لنتأمل أيـضاً إلى أين وصلت بلادنا من نهضة، وتجسّد ذلك في ترسيخ أسس التطوير في البلاد وبناء قاعدة اقتصادية وطنية صلبة وضعت السعودية في مصاف القوى الاقتصادية الكبرى، إضافة إلى بناء الإنسان السعودي وتمكينه مـــن الــلــحــاق بــركــب الــتــطــور فـــي الــعــالــم، ويـظـهـر ذلـــك جــلــياً فـــي النهضة الشاملة، خصوصاً في الجانب العلمي والتعليمي، وساهم ذلك في تفعيل دور المملكة في المجموعة الدولية، سواء من خلال منظمة الأمم المتحدة أو من خلال المؤسسات والمنظمات الدولية الأخرى. لا ننسى مركز المملكة العربي والإسلامـي الذي يستقطب أكثر من مليار مسلم فـي الـعـالـم. وأجـمـل مـا فـي مسيرة المملكة أنـهـا لـم تتوقف عند ما تحقق فكل مرحلة كانت تمهيداً لمرحلة جديدة، من بناء الدولة وتوفير مقومات الحياة، إلى التنمية الحديثة، ثم إلى التحول الذي نعيشه اليوم في طريقة العمل وتقديم الخدمات والاستفادة من التقنية. ليكون عام الذكاء الاصطناعي في السعودية يحمل 2026 لعل اختيار عام دلالة واضحة على حجم التحول الذي نعيشه، وعلى أن الطموح لم يعد أن نكون مستخدمين للتقنية فقط، وإنما أن نكون شركاء في تطويرها وتوجيهها والاستفادة منها في خدمة الإنسان والمجتمع والاقتصاد. إن قادة هذه البلاد منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثــراه ـ يحظون باحترام وتقدير شعوب العالم، وذلك لما تـضـطـلـع بـــه المـمـلـكـة مـــن دور رائــــد عـلـى مـخـتـلـف الأصـــعـــدة الـعـربـيـة والإسلامية والدولية. هذا هو المعنى الأعمق لليوم الوطني: أن نفتخر بما أنجزه من سبقونا، وأن نـــدرك فـي الـوقـت نفسه أن مسؤوليتنا لا تقل عـن مسؤوليتهم، هم أسسوا ووحدوا وبنوا، ونحن مطالبون بأن نكمل البناء بالعلم والمعرفة والابتكار، وأن نترك للأجيال القادمة وطناً أكثر تقدماً واستدامة. الوطن ليس ذكرى نحتفل بها في يوم واحد، بل مسيرة نعيشها كل يوم. كل عام والمملكة العربية السعودية وطناً يزداد رسوخاً، وطموحاً، وتأثيراً، حفظ الله خادم الحرمين الشريفين وولي العهد الأمير محمد بن سلمان ذخراً للإسلام والمسلمين.. مني عليكم ياهل العوجا سلام. الوطن الذيننتميله د. محمد آلمعدي في الأوطان شيءٌ لا تشرحه الخرائط... شيءٌ يشبه الأم، نعرف قيمته قبل أن نتعلّم معنى الأشياء، ونسكن إليه قبل أن نعرف معنى الأمان. والسعودية... ليست أرضًا نسكنها، السعودية هي التي تسكننا. تسكن في أسمائنا، في ملامح آبائنا، في دعوات أمهاتنا، في أول الطريق... وفي آخره. تسكن في ذلك الشعور الذي لا نراه، لكننا نشعر بــه حين نـعـود إلـيـهـا مــن سفر طويل، ٌفننظر من نافذة الطائرة إلى أرضها، ويحدث في القلب شيء لا تستطيع اللغة أن تصفه. هنا وطنٌ لم يولد عابرًا في التاريخ. ٌخلف كل شبرٍ منه حكاية، وخلف كل رايةٍ خضراء رجال حــمــلــوا الــحــلــم يــــوم كــــان الــحــلــم أصــعــب من الطريق، ومــــضــــوا فــــــوق صــــخــــور الــــخــــوف والــــجــــوع والتعب، حتى جمعوا الشتات، وصنعوا من الصحراء وطنًا، ومن التفرّق وحدةً، ومـــــن الـــحـــلـــم دولـــــــةً تـــقـــف الــــيــــوم بين الأمــــم شامخة. لهذا... حين نرفع الراية، فنحن لا نرفع قطعة قماش. نحن نرفع ذاكرة أجدادٍ رحلوا، وأعمار رجالٍ مضوا، ودعوات أمهاتٍ انتظرن أبناءهن، ونرفع قصة وطنٍ دُفع من أجل بقائه الكثير. وفي يومنا الوطني، لا نسأل فقط: ماذا أعطانا الوطن؟ بل نسأل أنفسنا الأسئلة الصعبة: ماذا سنترك نحن لهذا الوطن؟ أيّ سعوديةٍ سيجدها أبناؤنا بعدنا؟ هل سيجدونها كما وجدناها عزيزة؟ أم سيجدونها أعز؟ هـل سـيـقـرأون أسـمـاء نـا كما نقرأ أسـمـاء من سبقونا، ويقولون: هؤلاء مرّوا من هنا... فتركوا الوطن أجمل مما وجدوه؟ ذلك هو الحب الحقيقي للوطن. فالوطن لا يحتاج منّا قصيدةً في يوم، بقدر ما يحتاج منّا عمرًا من الوفاء. أن نخلصحين لا يرانا أحد، أن نبني حين يكون البناء شاقًا، أن نحمي سمعته كما نحمي أسماء نا، وأن ندرك أن كل واحدٍ منّا يحمل شيئًا من السعودية أينما ذهب. يا وطني... ربما لا نستطيع أن نردّ لك كل ما منحتنا، لكننا نستطيع أن نكون جديرين بك. أن نحمل رايتك بقلوبٍ نظيفة، وسواعد تعمل، وعـــقـــولٍ تـــؤمـــن أن المـــجـــد لــيــس شــيــئًــا نـرثـه فقط... المجد أمانة. وأن الوطن الذي صنعه الأجداد بالرجال، لا يحفظه الأبناء بالكلمات وحدها، بل بالعمل... والوفاء... والانتماء الذي لا يتغير حين تتغير الأيام. السعودية... يا وطنًا بدأ حكايةً في قلب الصحراء، ثم أصبح حلمًا يلامس السماء... سنكبر، وستتغير وجوهنا، وستمضي بنا السنوات، وسيرحل منّا من يرحل، وتأتي أجيالٌ لا تعرف أسماء نا... لكن ستبقى هذه الأرض. سيبقى أخضر الراية فوقها، وستبقى كلمة التوحيد تعانق السماء، وسيولد طفلٌ سعودي بعد مئة عام، ينظر إلـــى هـــذا الــوطــن بـالـفـخـر نفسه الــذي نشعر به اليوم. وحينها... ٍلن يكون مهمًا أن يعرف من كنّا، يكفينا أن يعيش في وطن ساهمنا يومًا في أن يبقى عظيمًا. فالأوطان العظيمة لا يسكنها أبناؤها فقط... ا بعد جيل، بل يمرّون فيها جيلً ويبقى الوطن. دمتِ يا السعودية... الأرض التي نولد عليها مرة، وتولد فينا كل يوم.

RkJQdWJsaXNoZXIy MTExODU1NA==