Okaz
13 الثقافة الذكاء الاصطناعي اختبار لروح الكتابة.. لا تهديداً لها الأدب الحقيقي لا ينافس السرعة.. بل ينجو منها تبحث عن النص السريع.. ابحث عن النص الذي يؤثر فيك الأدب زمـنـياً، لكن الأدب يسبقه أحـيـاناً وجـــودياً، لأنـه يلتقط مـا وراء الحدث، لا الحدث نفسه فقط. • كيف يؤثر «الضجيج الرقمي» ووسائل التواصل على صدق الكتابة وعمقها في رأيك؟ •• الضجيج الـرقـمـي خلق إغــــراءً هـــائلاً للكتابة الـسـريـعـة، اللامـعـة، القابلة للاقتباس، لكنه في المقابل هدد المساحات البطيئة التي تنضج فيها الكتابة الحقيقية، المشكلة ليست فـي الـوسـائـل نفسها، بـل في الإيقاع الـذي تفرضه علينا، أن نقول فـوراً، وأن نعلّق فـوراً، وأن ننتج رأياً قبل أن تتخمر الفكرة فـي الـداخـل، هـذا قـد يجعل بعض الكتابة أقــرب إلـى رد فعل منها إلـى التأمل والبحث ومـع ذلـك أرى أن الكاتب الحقيقي يُختبر هنا؛ هـل يكتب لـيُـرى فقط؟ أم يكتب لأنـه يحمل ما يستحق البقاء داخل عقله من رؤى وأفكار وقضايا إنسانية ووجودية؟ • هل تشعرين أن القارئ اليوم يبحث عن الحقيقة؟ أم عمّا يريحه نفسياً فقط؟ •• كثير من القراء اليوم لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن نص يؤكد ما يشعرون به مسبقاً، أو يمنحهم طمأنينة نفسية سريعة، نحن نعيش زمــناً مـرهـقاً، وهــذا مفهوم إنسانياً، لكن الأدب لم يوجد ليواسينا فقط، بل وُجـد ليقلقنا، ليهز يقيننا، ليخرجنا من المناطق المريحة التي اعتدنا عليها، الـقـارئ الحقيقي هـو مـن يقبل أن يدخل النصلا ليجد نفسه ومشاعره فقط داخله، بل ليواجه ما لا يريد رؤيته في نفسه والعالم. • في زمـن الأزمـــات.. هل يجب على الكاتب أن يكون صـوتاً مـقـاوماً؟ أم شاهداً محايداً؟ •• أظـن أن الحياد في لحظات الألــم الإنساني الكبرى ليس أفضلية دائماً، فقد يكون شكلاً أنيقاً من أشكال التهرب، فالكاتب ليس مطلوباً منه أن يصرخ بشعارات وأيديولوجيات، لكنه أيـضاً ليس معفياً من اتـخـاذ مـوقـف إنـسـانـي، يمكن أن يـكـون مـقـاوماً دون أن يفقد تعقيده الفني، ويمكن أن يكون شاهداً دون أن يتحول إلـى آلـة توثيق بـاردة، الأهم أن يظل وفياً للإنسان، لا للمسافة الآمنة. • ما القضية الراهنة التي ترين أنها تُفهم بشكل سطحي في المجتمع، وتحتاج إلى طرح أدبي أعمق؟ •• أرى أن قضية الإنـسـان في عصر السرعة تُفهم بسطحية شديدة، نتحدث كثيراً عـن الإنــجــاز، والـحـضـور، والـتـأثـيـر، والانــتــشــار، لكننا لا نتأمل بما يكفي مـا يفعله هــذا كله بــالــروح، هـنـاك إنـهـاك داخـلـي، ووحـدة مقنّعة، وتآكل بطيء للمعنى، لكنها لا تظهر في لغة الحياة اليومية، نحن بحاجة إلى أدب يكتب عن التعب الوجودي الحديث، عن الضجيج الذي يملأ حياتنا ويتركنا أكثر فراغاً، وعن هشاشة الإنسان وسط وفرة رقمية هائلة. • فـــي ظـــل صـــعـــود الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي وقــــدرتــــه عــلــى إنــتــاج الــنــصــوص.. هــل تــريــن أنـــه يــهــدد «روح ال ـكـتـابـة» أم يعيد تعريفها بشكل جديد؟ •• لا أراه تـــهـــديـــداً لـــــروح الــكــتــابــة بـــقـــدر ما أراه اخـتـبـاراً لـهـا، الــذكــاء الاصـطـنـاعـي قـادر عــلــى إنـــتـــاج نــــص، لــكــن الــنــص لــيــس كـتـابـة بالضرورة، قد يصنع بناءً لغوياً جيداً، لكنه لا يعيش القلق، ولا الخسارة، ولا الندم، ولا الذاكرة البشرية التي تمنح الجملة رعشتها الخاصة، ما قد يفعله الذكاء الاصطناعي هو أنه سيدفعنا إلى إعادة السؤال: ما الذي يجعل النص إنسانياً حقاً؟ وربما هنا تكمن أهميته لا في أنه يلغي الكاتب، بل في أنه يكشف لنا أن الكتابة ليست مجرد تركيب لغوي، بل أثر ووجود. • هـل يمكن لـلـذكـاء الاصـطـنـاعـي أن يـكـون شـريـكاً إبــداعــياً للكاتب؟ أم أنه سيخلق أزمة في معنى الأصالة والهوية الأدبية؟ •• يمكن أن يكون أداة مساعدة، بل وشريكاً تقنياً في بعض المراحل؛ في التوليد، والتوسيع، والتنظيم، واستفزاز الأفكار وتوليدها، لكنه لا يستطيع أن يكون البديل عن الجوهر والعمق الإبداعي للكاتب، الأزمة ليست في الأداة نفسها، بل في الطريقة التي سنستخدمها بها، حين يتحول الــذكــاء الاصـطـنـاعـي إلــى عـكـاز دائـــم، قـد يـهـدد صــوت الكاتب الخاص ويُنتج نصوصاً متشابهة فاقدة للتفرد، أمـا حين يُستخدم بوعي، فقد يحرر الكاتب من بعض الجهد التقني ليذهب أعمق في منطقه الجمالي والإنساني، الأصالة هنا لن تكون في رفض الأداة، بل في قدرة الكاتب على ألا يفقد صوته داخلها. • كيف تعرّفين نفسك اليوم؛ كاتبة؟ أم باحثة؟ أم صوتاً ثقافياً؟ •• أرى نفسي فـي المسافة بين هـذه التعريفات، الكتابة بالنسبة لي ليست مهنة فقط، بل طريقة لفهم العالم، قد أكـون باحثة حين أُحلل، وكاتبة حين أشـعـر، لكن فـي النهاية أنــا أحـــاول أن أكـون صـــــوتاً يـــطـــرح الأســـئـــلـــة أكـــثـــر مــمــا يــقــدّم إجابات جاهزة. • في زمن السرعة الرقمية.. هـــل تـشـعـريـن أن الأدب لا يـــــزال قــــــادراً على التأثير؟ الأدب •• لا يــــــــنــــــــافــــــــس الــــــــســــــــرعــــــــة، بـــل يــنــجــو مــنــهــا، في عـــــالـــــم مــــخــــتــــزل إلــــى مـقـاطـع قــصــيــرة، يصبح الـــنـــص الـــطـــويـــل فــعــل مــقــاومــة، فـــــالأدب لا يُـسـتـهـلـك بــســرعــة، بـــل يُــعــاش، ولذلك أعتقد أن قيمته اليوم تضاعفت، لأنه يمنح الإنسان ما فقده؛ التأمل والأمل. • هناك ظاهرة متزايدة عن تحوّل الرواية إلى مادة بصرية.. كيف ترين ذلك؟ •• ليست ظاهرة جديدة، فمنذ بدأت السينما كان الأدب من أولى المواد التي التفتت إليها العدسات، والمشكلة ليست في التحوّل بحد ذاته، بل في أن تُكتب الـروايـة بـعين الكاميرا لا بـعين اللغة، وحين يفقد النص استقلاله، يتحول إلى مشروع إنتاج لا مشروع معنى، الرواية الحقيقية لا تحتاج أن تُرى.. بل أن تُشعر. فمنذ بــدايــة السينما كـــان الأدب مــن أولـــى المــــواد الـتـي الـتـفـتـت إليها العدسات، ليس بمحض المصادفة بل لأن الرواية تحمل بنية سردية مكتملة؛ شـخـصـيـات، صــــراع، زمـــن درامــــي يمكن تحويله إلـــى صــورة متحركة، لا يوجد إجماع قاطع على «أول رواية» تحولت إلى فيلم لأن التجارب المبكرة للسينما كانت قصيرة وموزّعة بين قصص شعبية، وخــــرافــــات، ومــشــاهــد مـسـرحـيـة، لـكـن مـــا نـعـرفـه تــاريــخــياً أن تحويل الـنـصـوص الأدبــيــة بــدأ تـقـريـباً مـع بــدايــات الـقـرن العشرين؛ إنتاجات A Christmas صامتة قصيرة تستلهم تشارلز ديكنز مثل مشاهد من Uncle Tom’s التي ظهرت في أوائــل الـقـرن، وأيــضاً أعمال مثل Carol التي بُثّت في نسخ مبكرة على الشاشة، بمعنى آخـر، التكييف Cabin الأدبي رافق السينما منذ ولادتها، ولو في شكل مصغّر وتجريبي. الــروايــة هـي لغة الكلمات والــصــورة السينمائية لغة البصر والـزمـن المشاهد، لذلك تحويل الـروايـة إلـى فيلم أو مسلسل هو قــراء ة جديدة للنص، وقد تكون تأويلاً أو نقداً أو امتداداً له، كذلك يُعيد إنتاج الرواية لجمهور أوسع، يشكّل ذائقة بصرية ويحيل النص إلى أفق جماهيري مختلف، هــذا قـد يُعمّق أثـرهـا أو يبسّطها، حسب مقاصد المنتجين، ومع تزايد تحويل الروايات إلى أعمال بصرية نشهد أيـضاً اقتصاداً التساؤل للقصص وحقوق، تسويق، امـتـدادات وسلاســل بيع، ما يضع الأخلاقي عن علاقة الفن بالسوق. إن التحول من روايـة إلى مـادة بصرية هو تلاقٍ ضـروري بين سردين مختلفين، هو ترجمة وإعــادة اختراع، وفيه إمكانات جمالية عظيمة ومخاطر فقدان عمق النص أو تجريده، لن تتوقف هذه الظاهرة طالما بقيت الرغبة الإنسانية في رؤية الحكاية. • كيف تنظرين إلى ظاهرة «تسليع الذائقة الثقافية»؟ •• هذه من أخطر التحولات اليوم، لم تعد الذائقة تُبنى عبر التجربة، بل تُقترح علينا باستمرار حتى نظن أنها اختيارنا، المشكلة ليست في التوصيات، بل في غياب المسافة النقدية، حين نفقد قدرتنا على السؤال: لماذا أعجبني هذا؟ نكون قد فقدنا جزءاً من حريتنا. التسليع الثقافي يعني تحويل المنتجات والذائقة الثقافية إلى سلع قابلة للتسوّيق والربح، ما يحدث أثراً مـزدوجاً، إذ يوسّع الانتشار ويــؤمّــن مــــوارد مـالـيـة، لكنه يميل لتبسيط الـعـمـق وإذابــــة التنوع وإعلاء منطق الـسـوق على قيمة الـفـن. التسليع الثقافي يمكن أن يخدم الثقافة مادياً لكنه يهدد جوهرها وجمالياتها إن غلب منطق السوق، الحل يكمن في التوازن بين التمويل والحفاظ على العمق والتنوّع الثقافي. • هل أثّرت القضايا الراهنة والحروب على كتاباتك؟ •• بالتأكيد.. الحرب لا تغيّر النصوص فقط، بل تغيّر الإنسان الــــذي يـكـتـبـهـا، هــنــاك قـلـق يـتـسـلـل إلـــى الــلــغــة، وأسـئـلـة وجودية تصبح أكثر إلحاحاً أكتب اليوم وأنا أكثر وعياً بهشاشة العالم، وأكثر تمسكاً بالمعنى. • ما الذي يشغلك فكرياً في المشهد الثقافي اليوم؟ •• يشغلني ســــؤال الـعـمـق والمــعــنــى، نحن نعيش تضخماً ثقافياً، لكننا نفتقد التراكم الحقيقي، هناك وفـرة في المحتوى، مقابل نـــــدرة فـــي الـــتـــأثـــيـــر، وهـــــذا يــدفــعــنــي دائــــماً للبحث عن الكتابة التي تبقى، لا التي تمر. • مشروعك «بيت الرواية».. ماذا يمثل لك؟ •• هـــو مــحــاولــة لـصـنـاعـة مــســاحــة حقيقية للرواية، خارج الاستهلاك السريع، بيت الرواية لـيـس مــجــرد مـنـصـة، بــل فــكــرة؛ أن الــســرد يـمـكـن أن يكون بيتاً للإنسان، ومساحة للحوار، والتفكير، وإعادة اكتشاف الذات. • كيف ترين مستقبل الأدب في ظل هذه التحولات؟ •• الأدب الحقيقي لا يخاف التحولات، قد تتغير وسائطه، لكن جوهره ثابت؛ الإنسان. سيبقى هناك دائماً من يبحث عن نص يشبهه، لا مجرد محتوى يمر به. • كلمة أخيرة.. ماذا تقولين للقارئ اليوم؟ •• لا تبحث عن النص السريع.. ابحث عن النص الذي يغيّرك، فبعض الكتابات لا تُقرأ، بل تُعيد كتابتك من جديد. الضجيج الرقمييهدّّد المساحات البطيئة التيتنضج فيها الكتابة الحقيقية لا زينب الخضيري خلال تكريمها فيإح ى المناسبات الثقافية. الخضيري: الرواية الحقيقية تُشعر القارئقبل أن تُرى. الكتابة بدأت نجاة.. ثم أصبحت مواجهة الحرية الأدبية تقترن بالمسؤولية الأخلاقية الجمعة السبت هـ 1448 صفر 11-10 السنة التاسعة والستون 21544 الع د م 2026 يوليو 25-24
Made with FlippingBook
RkJQdWJsaXNoZXIy MTExODU1NA==