Okaz

14 الثقافة ّرحيلهابرماس بينفخيّ «الخطاب التواصل السياسة والمركزيّّة» د. أحمد أنيسالحسون رحـل أخيراً الفيلسوف الألمانـــي يورغن هــابــرمــاس، وارتــبــط اسـمـه بتطوير نظرية نقدية للمجتمع المعاصر وتحليل الحداثة الغربية، ونقد بنيتها الفكرية والسياسية. ترك إرثاً مــــن الـــــجـــــدالات الــســيــاســيــة والــفــكــريــة كــــان أهــمــهــا الـعـقلانـيـة الـتـواصـلـيـة والـديـمـقـراطـيـة بوصف الــــــــحــــــــوار نــــقــــطــــة مـــفـــصـــلـــيـــة فـــــــي بــــنــــاء المـجـتـمـعـات، فـاتـسـمـت فلسفته بـطـابـع تـــحـــرّري، لكن هناك جانباً آخـر في مشروعه الفكري لا يخلو مــــن أثـــــر المــــركــــزيــــة الأوروبــــــيــــــة، وافـــتـــراضـــيـــة تــفــوق الـتـجـربـة الـغـربـيـة فـــي إنـــتـــاج الـــوعـــي والمــعــايــيــر، ما خلق جدلاً حول سقطات الفلسفة التحررية، والنزعة الاسـتـعلائـيـة المـؤمـنـة بالتفوّق الـفـكـري، ومـمـا عمّق هــذا النقد لـهـابـرمـاس، تناوله لمـشـروع الحداثة في المـجـتـمـعـات الــغــربــيــة ومـــســـار تـــطـــوّرهـــا ضــمــن آلـيـة تحليلية تستند فـي مرتكزاتها إلــى تجربة الوعي الـغـربـي؛ مـا عـــدّه الـنـقّـاد حـصـراً كمثال لمرحلة أكثر تـــقـــدماً فـــي الـــتـــاريـــخ، وبـــهـــذا المـــيـــزان تـصـبـح مـعـيـاراً لتقييم الـثـقـافـات الأخــــرى، فـكـان فـي مـرمـى نـقـاد ما بعد الاستعمار على رأسهم ناقد الاستشراق إداورد سعيد، الأول يدافع عن كونية الحداثة، والثاني يفكّك الـطـابـع الإمـبـريـالـي فــي الـخـطـاب الـحـداثـي الغربي، هابرماس يربط مسار العقلانية والحداثة التحررية، والفضاء العمومي الحديث بوجود معايير كونية للأخلاق والديمقراطية يربطها بالتجربة الغربية، متجاهلاً دور الاستعمار في تشكّل الفكر التحرّري، فـالمـعـرفـة مـرتـبـطـة بــتــاريــخ الإمــبــريــالــيــة، ونظريته العقلانية لـم تحلّل بنية المعرفة مـن خلال علاقتها بالهيمنة والتسلّط خـارج جغرافيا الغرب، وإدوارد سعيد فكّك الخطابات الأكاديمية الغربية التي برّرت الاسـتـقـواء على الــشــرق، فتحليل هـابـرمـاس لتاريخ الحداثة يركّز على التنوير والمجتمع المدني وتطور المؤسسات في الغرب، ويتجاهل دور الاستعمار في تشكيل الحداثة الأوروبــيــة نفسها، ففي حين انتقد الرأسمالية ودعا لتطوير وإكمال مشروع الحداثة، لم يتطرق في تحليله لإنتاج الوعي النقدي التحليلي لظاهرة الاستعمار ومــا أنتجته مـن أصـــوات قادمة من عالم آخر لم يلتفت إليه، فسعيد يرى أن أوروبـا لـم تبنِِ حداثتها بمعزل عـن العالم بـل عبر التوسع الإمـبـريـالـي، وبــذلــك يـدعـو لتوسيع مـسـار التحليل النقدي من دون إغفال البعد الإمبريالي لـلـحـداثـة الـغـربـيـة، وينطلق سعيد مـن افتراضية أن النظام العالمي غـــيـــر مــتــكــافــئ بــســبــب الـــتـــفـــاوت بالقوة والمعرفة جـــرّاء العلاقات الاستعمارية، لكنه يؤمن بحوار ثقافي عـالمـي، على عكس الحوار الذي يدعو إليه هابرماسإذ لا يمكن أن يكون متكافئاً. فمشروع تفكيك آليات الهيمنة مـتـفـاوت لا يحقق الـتـكـافـؤ كــــاملاً على الرغم من تبنّي الدفاع عن الحرية والعدالة والحوار. دافــــع هــابــرمــاس عــن الـتـعـدديـة والـــحـــوار والمـــســـاواة والاعـــتـــراف بـحـقـوق الآخــــر، لـكـن المـفـاهـيـم الـحـواريـة التي يتحدّث عنها نشأت أو تبدّت في هيكلتهاضمن سـيـاق أوروبــــي، وكأنها تعطي معياراً ثـابـتاً لنسق فــكــري مـقـيّـد جــغــرافــياً وتــاريــخــياً وثــقــافــياً، وفــرض نــمــوذج حــــوار سـيـاسـي يقصي ويــهــمّــش، فمفاهيم العقلانية والديمقراطية والتواصل، لا يمكن عزلها وفـهـمـهـا عـــن ســيــاقــات ثـقـافـيـة مـخـتـلـفـة ومــتــعــددة، ناهيك أنـــه ختم حياته بالسقوط فــي فــخ السياسة من خلال موقفه من الحرب على غــزة، وهــذا ما دفع للتساؤل عـن إمكانية تأسيس عقلانية عالمية دون الوقوع في فخ التحيّزات والهيمنة الثقافية. لقد أثّر على مسار الفكر المعاصر بجدالات نقدية يتولّد عنها بالضرورة أبعاد أخـرى يمكن من خلالها استنباط أدوات نـقـديـة مــن سـيـاق نظريته ذاتــهــا نـحـو حــوار عالمي مفتوححول قيم ثقافية مشتركة عالمياً لتطوير الـفـعـل الــتــواصــلــي فـــي الــحــريــة والمــــســــاواة والــعــدالــة لتنظيم الـــعلاقـــات بين الــشــعــوب، وتـجـديـد نهوض المجتمع المدني والديمقراطي والعقل الحواري عربياً على أســـس حكيمة وعـقلانـيـة لمتطلبات الـعـصـر، لا تغرق فـي المثاليات النظرية، أو تنغلق حــول مسار نقدي لا يخرج عن الانـــزواء خلف متاريس الإشــارة للهيمنة، أو إفــــراد ســطــور كــجــدار لا تُـنـبـت الغيوم عليه برعماً، بل إن تفكيك ثقافة الهيمنة على شعوب تحت سلطة الكولونيالية الرقميّة والانبهار الثقافي لتكنولوجيا الـقـوّة الناعمة والـصـارخـة، ينبغي أن يكون مساره المعرفي لتنمية وتوجيه الفكر والنقد إلى حوار عالمي للثقافات، وبتعبير آخر: هل يمكننا تبنّي نظرية العقلانية التواصلية كمفهوم إنساني لتأسيس خـطـاب عـقلانـي محلّي ثـم عـالمـي يتجاوز الحدود الحضارية؟ محمد عبده.. عندما تتحول الأغنية إلىحياة ليس يسيراً أن يكتب المـرء عن تجربة فنية بمقام محمد عبده من غير أن يقع في أحد منزلقين واضحين؛ إما انبهار خالص يذوب في الثناء حتى يفقد قدرته على الرؤية، وإما جفاف نقدي يحوّل الفن إلى مادة بـاردة، تُشرح أكثر مما تُعاش. غير أن كتاب «قراء ات ومقاربات في تجربة محمد عبده الفنية وأثرها الاجتماعي»، الصادر عن دار النخبة هـ، لمؤلفه مطاعن بن يحيى جدع، يسلك درباً ثالثاً أكثر اتزاناً 1447 للنشر والتوزيع سنة وثراءً، درباً تظل فيه اللغة قريبة من نبض موضوعها، وتظل الفكرة متيقظة من غير أن تنطفئ حرارة الفن فيها. منذ البدء، يشعر القارئ أنه لا يمسك بكتاب يتناول سيرة مطرب ناجح فحسب، بل أمام محاولة لقراء ة ظاهرة أوسع مدى وأشد تشعباً. فمحمد عبده لا يحضر هنا مجرد صوت استثنائي في الغناء العربي، بل ينهض علامةً ثقافيةً ارتبطت بالوجدان العام، وتسرّبت إلى الذاكرة الجمعية، حتى غدت تجربته مرآة يمكن عبرها تأمل تحولات المجتمع نفسه، وأشكال تذوقه، وتبدلات علاقته بالطرب والتراث والهوية. لهذا لا تبدو التجربة الفنية في هذا العمل مساراً شخصياً لفنان كبير فقط، وإنما أيضاً سيرة موازية لمجتمع كان يعيد الإصغاء إلى ذاته عبر الأغنية. إهداء نسجممع الفكرة يـأتـي إهـــداء المـؤلـف إلــى المستشار تـركـي آل الشيخ، منسجماً مـع مـنـاخ الـكـتـاب، لا عـابـراً في صفحته الأولى ولا مستهلكاً في معناه. فحين ينظر إلى الفن على أنه فعل اجتماعي مؤثر، وإلى الغناء من حيث هو طاقة قـادرة على تعديل الذائقة وتوسيع المجال الثقافي، فإن هذا المنظور يلتقي بوضوح مع التحولات التي تشهدها المملكة خلال السنوات الأخيرة. وبهذا، يغدو تركي آل الشيخ أكثر من اسم يُذكر في صدر الإهداء، إذ يحضر رمزاً لتحول واسع في فهم الترفيه ووظيفته ومكانته. لقد أسهم، بما قاده من مشاريع ومبادرات، في نقل الفعل الفني من هامش محدود إلى صـدارة المشهد، ومن مناسبة عابرة إلى صناعة ثقافية لها حضورها المؤثر واتساعها المجتمعي. لذلك يكتسب الإهداء دلالة أبعد، ويصبح بمثابة تحية مـن كـتـاب يـقـرأ الـفـن اجـتـمـاعـياً إلــى رجــل يُنظر إلـيـه فـي المملكة باعتباره مهندس الترفيه، وأحد أبرز من أعادوا ترتيب موقع الفن في الحياة العامة. التراثككائنقابل للتجدد من أكثر صفحات الكتاب إشـــراقاً تلك التي تتناول صلة محمد عبده بالتراث. والمـؤلـف لا يـذهـب إلــى الفهم التقليدي الـــذي يجعل الــتــراث مـجـرد مـــادة محفوظة أو أثــر يُستعاد في المناسبات، بل يقدمه حـيّاً، قـابلاً للتجدد، ومفتوحاً على التشكيل داخل الحاضر. وهنا تكمن قيمة هذه المقاربة، فهي لا ترى في الفنان حافظاً للقديم فحسب، بل محاوراً له، وقادراً على إعادة بث الروح فيه. ويتوقف الكتاب عند مشروع «الشعبيات» باعتباره تجربة بالغة الأهمية فـي إعـــادة تقديم الفلكلور ضمن رؤيــة معاصرة. فالتراث هنا لا يُستدعى بـاعـتـبـاره مــاضــياً مـغـلـقاً، بــل يُــعــاد ترتيبه داخـــل الـذائـقـة الـحـديـثـة مــن غير أن يفقد روحــه الأصلية. وهــذه مـن الأفـكـار المركزية فـي الكتاب؛ الفن الأصيل لا يكرر ما ورثه، وإنما يدخل معه في حوار خلاق، يعيد عبره إنتاج المعنى والصوت والدلالة. كـمـا يلفت المــؤلــف إلـــى الـبـعـد الـحـكـائـي الـكـامـن فــي عـــدد من أغاني محمد عبده، حيث تتخذ الأغنية شكل سرد مصغر، له نبرة وحركة ونداء وصدى. وهذا ما يجعل الاستماع يتجاوز التلقي السلبي، ليصبح نـوعاً من المشاركة الوجدانية في حكاية تتشكل شيئاً فشيئاً أمام السامع. وهنا نلمح سراً آخر من أسرار بقاء هذه الأعمال؛ أنها لا تعيش في الذاكرة فحسب، بل تسهم في صنعها. جرأة العنوان وفرادة المقاربة حتى عنوان الكتاب، «قراء ات ومقاربات»، يكشف منذ الوهلة الأولى عن قدر من التواضع المعرفي والـجـرأة المنهجية مـعاً. فهو لا يزعم أنـه يقدم الكلمة الأخـيـرة، ولا يدّعي امـتلاك التفسير النهائي، بـل يفتح المـجـال لاحـتـمـالات متعددة فـي النظر والـفـهـم. وهـــذه إحـدى فضائله الأساسية. وفي سياق المكتبة السعودية، تبدو هذه الأعمال قليلة نسبياً، إذ تميل كتب الفن في الغالب إلـى أحـد مسارين؛ إمـا التوثيق الـجـاف، وإمــا الانطباع السريع. أمـا هـذا الكتاب فيحاول أن يجاور بين المعرفة والذائقة، بين التأمل والرصد، بين الحس الأدبي والرغبة في الفهم. ومن هنا تنبع خصوصيته، لا من موضوعه وحده، بل من طريقته في الاقتراب من هذا الموضوع. الذهاب إلىأسئلة أوسع هــذا طــرح لا يـأتـي ليغلق مــوضــوعاً، بـل ليعيد فتحه على أسئلة أوســـع؛ كيف يصبح الفن جزءاً من المجتمع من غير أن يفقد استقلاله؟ كيف يحافظ الفنان على فـرادتـه وهـو يخاطب ذائقة عامة متعددة؟ وكيف تستطيع الأغنية أن تغدو أثراً باقياً، لا مجرد لحن عابر في زمن سريع الزوال؟ بهذا المعنى، فإن «قــراء ات ومقاربات» ليس كتاباً عن محمد عـبـده وحــــده، بــل عــن الـفـن حين يـتـجـاوز حــــدوده المـبـاشـرة، ويتحول إلى حياة. وحين تبلغ الأغنية هذه المنزلة، فإنها لا تعود مادة للمتعة وحدها، بل تصبح وعاءً للذاكرة، وصورة للناس، وطريقة مـن طـرائـق حضورهم فـي الـزمـن. وفــي لحظة ثقافية متسارعة كتلك الـتـي نعيشها الــيــوم، تـبـدو مثل هذه الكتب ضرورية، لأنها لا تكتفي بتسجيل ما جرى، بل تحاول أن تفهم كيف جرى، ولماذا ظل أثره ممتداً حتى الآن. إبراهيم زول غلافقراءات من أسرار «سرّ الزعفرانة» لبدر ة البشر.. نجاة عبدالصمد ثــمــة أســــــرارٌ فـــي خــلــطــات بــعــض الــكــتــب، تـبـنـي لَـبـنـات صـداقـتـهـا مــع قـارئـهـا مـنـذ صفحاتها الأولــــى. تتنامى فيه مشاعر عميقة، ويُتعبه العثور على كلماتٍ لتوصيفها، فيستسلم إليها فحسب. ذاك حالي وأنـا أقـرأ سرّ الزعفرانة. وكنت أسأل نفسي: لماذا تمضي هذه الرواية بالذات في إشادة نــــيــــان صــداقــتــنــا إلــــى اكـــتـــمـــال فـــصـــولـــه، ويــتــنــامــى حـــبّـــي لها ومتعتي بها؟! تتنامى السكينة في روحي رغم كلّ أسىً طاف بـ (نفلة) أو زعفرانة، وتستمرّ بدرية البشر في إروائي بشراب السكينة حتى الصفحة الأخيرة. لعلّ السرّ يكمن في الزاوية التي تتلصّص الكاتبة منها على صدر بطلتها (نفلة) تنتقي منه مكنوناً وحـــيـــداً يـــرســـخ بــعــد كـــل فـــقـــد، تُـــطـــوّعـــه ليمنحها القدرة على مواصلة العيش، وترمي بكل ما عداه إلــى سلة التغاضي. فما تـريـده نفلة، بنباهتها وانتباهها، ليس مجرد استمرارية العيش، بل أيــضاً ليمنح حياتها معنىً يتجدد ويتعمق إثر كل فقد، هي المدركة بالفطرة أن الحياة لن تسير إلا إلــى أمـــام؛ وحـــال (نـفـلـة) صـــورةٌ عن حال البلاد، السعودية! يقرّر والد نفلة، واعياً ومختاراً، أن يتحرّر من حروب القبائل وغليل الثأر في بيئةٍ تألف حوادث الغزو كركن مقيمٍ في حياتها. غزوةٌ خطفت منه زوجته وأبقت على ولديه، يصحو مــن جـــوف حـزنـه مــؤثــراً مـقـاومـة الــثــأر كـشـرط بـقـاء لــه ولــولــديــه، يعلّل نكوصه عـن درب الجماعة؛ بحجة أن لديه أحصنة أودعـهـا فـي كنف صديق، سيروح لاستردادها، بينما هو في واقع الأمر، احتكم إلى عقله ورضــي بخسارة زوجته إلـى الآن. تـفـادياً لخسارات جـديـدة، سيعتني بولديه نفلة وعامر، وبتجارته. نفلة هي الناجية الراوية. إثر طول تطواف، يصل والدها بها وبأخيها إلــى قـريـة، ليقيموا فيها ويقاسموا أهلها حياتهم.. تتلقفها العبدة «زعـفـرانـة»، كــأمٍ بديلة، وتـرقـب نفلة كيف لهذه الـعـبـدة، المـعـطـاء ة حد الثمالة، أن تستحوذ على محبة أهـل القرية بعلم وتطبيب يرفعانها إلـى مقام سيدةٍ يحتاج الجميع إلـى خدماتها، ونفلة ترقبها وتتعلم وتتدرب كيف تصبح تلميذتها النجيبة. تؤنسن نفلة نجوم السماء، بنات نعش يبكين أباهن، ونجم سهيل والد بــران والثريا والقمر. تنزلهم نفلة من أعالي السماء، لتحزن النجوم وتبكي كما البشر، ومثلهم تشعر بالحرّ والـبـرد، ولا يستقرّ مزاجها على حال.. وحين تـسـرد عـن وبـــاء الـجـدري ومــا حـصـد، ثـم وبـــاء الـجـراد الـــذي كاد يجتثّ وجـودهـم، كواقعٍ ربما طـاف بالسعودية في حقبة مـا، وهـو ما يجد القارئ نفسه مدفوعاً للبحث عنه، وكرمزيةٍ لطرح معضلةٍ تعصف بالبلاد نفسها حين تصحو على وباءٍ لا تنفع معه طرق العلاج القديمة، فلا بدّ إذاً من انتهاج طرق متطورة بما يكفي لتقضي عليه، ما يُسوّغ لـــوفـــود فــــرقٍ مـــدرّبـــة، لـيـس لـتـقـضـي عـلـى الـــجـــراد فحسب، بـــل أيــــضاً لـــتُـــدرج الــقــريــة فـــي مـنـظـومـة الــدولــة المـعـاصـرة، وصـــولاً إلــى نظم قـــوانين الـحـريـات، التي تبتدئ مـن تحرير العبيد، مـا تشهد عليه زعفرانة، وتبدأ بتدريب نفسها على الحرية، إلى أن تنتظم في سلك وظيفةٍ حكوميةٍ، كرمزية أيضاً لضرورة إسهام المرأة في ازدهار النظام الجديد. لم تصرّح الكاتبة بزمن أحداث الرواية، ثم أعثر في الـربـع الأخـيـر على بضع جمل لـم تكتب اعتباطياً، تشي لي بـأن مسؤولية الكاتبة حاضرة في ذهنها، لكنها كانت تتحين المناسبة لإدراجــهــا، حين يبتلى (شــــجــــاع)، الــشــاعــر الــشــجــاع والـــرقـــيـــق، بـــمـــرض ربـمـا يميته وهـــو فــي الـثـالـثـة والــخــمــسين، يستذكر أحـــدٌ ما أنه ولد أيام ثورة عرابي في مصر، وأحسب أنا القارئة لأعـــرف أننا 53 + ، ، زمـــن ثـــورة عـــرابـــي 1919 : بـــالأرقـــام أصبحنا فـي منتصف السبعينيات حين تـقـارب الـروايـة على اكتمالها، بــدأت نساء العاصمة يتخرجن من معهد التعليم ويصبحن معلمات، ولا تعود مهنة التعليم حكراً على موفدات خريجاتٍ من باقي الدول العربية لتعليم البنات في السعودية.. كـذلـك لا يــرد اســم مـكـانٍ مـحـدد مـن أراضـــي السعودية الشاسعة، يقوم عليه فضاء الرواية. لكن رحلة السيارة التي تحمل زعفرانة ونفلة من قريتهما لعلاج نفلة في الرياض تستغرق ساعات للوصول إليها. هنا يستنتج القارئ أنّ تلك القرية (البلا اسم)، تقوم في مكانٍ ناءٍ كثيراً عن العاصمة. ربما حمّلت الكاتبة نفلة نضجاً وحكمةً أكثر مما يحتمل سنّ اثنتي عـشـرة سـنـة، كــان يمكن إيــرادهــا بلسان الــــراوي العليم لا بلسان نفلة الطفلة. وشعرتُ بأن من حق عامر، أخي نفلة، أن يبرّر غيابه عن أخته المكويّة بالفقد، فلا معنى للغياب إن لم يصُغ حكمته ولو بعد حين.. وتنتهي رواية سرّ الزعفرانة بنهاية سعيدة، ولا تخون الرواية قراءها ولا قوانين الحياة بأن الألم سيد العالم، ورفيقنا من الولادة إلى الموت، فهو ما أعتقد أنه سرّ الزعفرانة، الوصفة السحرية لكل سعادة ممكنة؛ إنـهـا فـطـرة الـحـب الـتـي ولـــدت عليها زعـفـرانـة ونفلة وربّـتـاهـا مـع كل مفرق، وغذّتاها بتعلّم كل مهنة من زرع الأرض بالخضرة الممكنة. غلاف«سر الزعفرانة» محمد عبده الجمعة السبت ه 1447 شوال 23-22 السنة الثامنة والستون 21454 العدد م 2026 أبر ل 11-10

RkJQdWJsaXNoZXIy MTExODU1NA==